كيف يؤثر الحزن على الجسد وعلاقته بالكبد والدماغ

01/07/2026 07:01

الكبد والحزن: علاقة تاريخية وطبية

قالت السيدة عائشة رضي الله عنها، تصف شدة حزنها أثناء قضية الإفك، (بكيت ليلتين ويوماً حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي).

ارتبط الحزن في التراث العربي بأمراض الكبد؛ فالمجنون ليلى قال: (ولي كبد مقروحة من يبيعني بها كبداً ليست بذات قروح)، يعبر عن ألم يجد في صدره.

في الطب الإسلامي القديم كان يُعتقد أن الكبد يكوّن ويخزن «الصفراء»، وأن الانفعالات الشديدة كالغضب أو الحزن تؤثر مباشرة على حرارته وتوازن الجسم، وهو ما يُعرف بـ«كبد الحزن» أو الكبد الدهني الناتج عن الضغط النفسي والاكتئاب.

الكبد عضو حيوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحالة النفسية والصحية العامة؛ فالضغوط والقلق والحزن قد تظهر على شكل ارتفاع إنزيمات الكبد أو تراكم الدهون نتيجة ارتفاع هرمون الكورتيزول.

أين تخزن المشاعر réellement؟

العرب لم يخطئوا حينما ربطوا الحزن بالكبد، لكن الكبد لا يخزن المشاعر؛ كل المشاعر تُخزّن في الدماغ، تحديداً في اللوزة الدماغية وعبر الجهاز الحصيني.

لا أحد يرى المشاعر وهي تنتقل داخل أجسادنا من اللوزة الدماغية إلى الكبد أو الكتفين أو الأمعاء، ومع ذلك يكاد الجميع يشعر بها.

يقول أحدهم، (انفقعت مرارتي)؛ وآخر يشعر أن كتفيه مثقلان بالهموم؛ بينما ثالث يقول (آه يا قلبي) واصفاً ألماً يعتصر قلبه، رغم أن الموقع الأصلي للمشاعر ليس القلب.

المشاعر تُولَّد، تُفسَّر، وتحتفظ بها الدماغ، ثم تُترجم إلى لغة يفهمها الجسد كله؛ فنشعر بحشرجة في الحنجرة عندما نحزن أو نبكي، وهي غصة عاطفية يُبعث بها الدماغ إلى عضلات الحنجرة لتنقبض.

وبالمثل يحدث مغص البطن عند الخوف بسبب الارتباط الوثيق بين الدماغ والأمعاء؛ فعند الشعور بالخفر يفرز الجسم هرمونات مثل «الأدرينالين» و«الكورتيزول»، ما يوجه الدم بعيداً عن الجهاز الهضمي فتحدث تقلصات عشوائية وسريعة تُسمَّى «مغص».

كيف يظهر التوتر الجسدي وما هو السبيل للتخفيف

لا تختفي المشاعر بمجرد أن نصمت؛ قد يسكت اللسان، لكن الجسد والدماغ يواصلان التفاعل بطريقتهما الخاصة.

إذا كانت المشاعر طبيعية وعبر عنها بوعي، عادت أجهزة الجسم إلى هدوئها؛ أما إذا كبتت أو أجبر الإنسان على تجاهلها مرارًا، فقد يبقى الجسم في حالة استنفار طويلة.

لهذا لا نقول إن الحزن يخزن في القلب أو الكبد، أو الخوف في المعدة؛ بل نقول إن لهذه الأعضاء نصيبًا من آثار المشاعر: القلق قد يظهر على هيئة خفقان في الصدر، ضيق في التنفس، واضطراب في النوم؛ الخوف قد يترك أثره في المعدة، فتقل الشهية أو تزداد، وقد تظهر أعراض القولون العصبي أو اضطرابات الهضم.

التوتر المزمن يرفع هرمونات الإجهاد، مما يؤثر في ضغط الدم، السكر، المناعة، وحتى الإحساس بالألم؛ لذا نرى أشخاصًا يعيشون سنوات وهم يظنون أن المشكلة في المعدة أو الرأس أو العضلات، بينما جزء من معاناتهم هو ضغوطات لم تجد طريقاً للتفريغ، فتسربت إلى أعضاء الجسد.

كل شعور لم يجد طريقًا صحيًا للتعبير قد يتحول إلى توتر مزمن، صداع متكرر، آلام عضلية، أو إرهاق لا يعرف صاحبه له سببًا، ليس لأن العضو يحمل المشاعر، بل لأن الجسد كله يحملها.

أكثر ما يرهق الإنسان ليس الشعور نفسه، بل حبسه حتى يصبح أسلوب حياة؛ ومن هنا نفهم أن التعبير عن المشاعر ليس ضعفًا، بل جزء من العناية بالصحة.

أن تبكي حين يستحق الموقف بكاء، تتحدث عندما يغتم قلبك، تعتذر عندما تخطئ لتجنب تأنيب الضمير، وتطلب المساعدة حينما تعجز؛ كل ذلك ليس علاجًا للنفس فقط، بل حماية للجسد أيضًا.

أيضًا.

ربما لهذا السبب تبدو بعض الوجوه شاحبة رغم سلامة الفحوصات، بينما ترى آخرين يعيشون بشكل أفضل رغم ظروفهم الحياتية، لأنهم لم يسمحوا للمشاعر أن تتحول إلى سجن داخلي.

فلا تبحث عن مكان المشاعر في الجسد، لأنه لا يخزنها، لكنه قد يدفع ثمنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *