عندما كبرت فهمت عمق دعاء أمي

معنى الدعاء في سنوات الطفولة

كنت أسمع أمي تردّد دوماً: “الله لا يشغلنا بأحدٍ من خلقك” . كانت تقوله ببساطة ثم تستأنف يومها، ولم أكن أدرك آنذاك أن تلك الكلمات ليست مجرد دعاء، بل منهج حياة كامل.

الانشغال بالآخرين واستنزاف العمر

مع مرور الوقت واختلاطي بالناس وتعرفي على قصصهم التي تفرح وتؤلم، بدأت أفهم سبب تكرار أمي لهذا الدعاء. أدركت أن ما يستنزف الإنسان ليس العمل ولا التعب، بل الانشغال الدائم بما يفعله الآخرون وما يقولون، ومن ذهب ومن عاد ولماذا نجح أو تعثر. هناك من يعيشون حياة مزدوجة: حياتهم وحياة غيرهم، يراقبون التفاصيل، يتتبعون الأخبار، يقيسون أنفسهم بالناس في كل خطوة، حتى تضيع أعمارهم وهم يظنون أنهم يعيشون بينما هم في الحقيقة يراقبون حياة الآخرين أكثر من حياتهم الخاصة.

التطبيق العملي والدعاء اليوم

المنشغل بذاته يجد دائماً ما يكفيه من الأهداف، والأحلام، والعمل، وإصلاح الذات. أما المنشغل بالناس فلن ينتهي من المقارنات ولن يعرف طعم الطمأنينة لأن عينه معلقة بما في أيدي الآخرين لا بما بين يديه. ليس المطلوب الانعزال عن المجتمع أو تجاهل الناس، فالحياة تقوم على المحبة والتعاون، لكن الفرق كبير بين الاهتمام بالناس والانشغال بهم. الاهتمام خُلق، أما الانشغال فهو استنزاف للعمر وراحة القلب. اليوم، كلما رأيت ضجيج مواقع التواصل وكثرة التدخل في خصوصيات الآخرين، تذكرت دعاء أمي وابتسمت. كانت تعلم أن راحة الإنسان تبدأ عندما يلتفت إلى نفسه، ويزرع وقته فيما ينفعه، ويترك الخلق للخالق. رحم الله الأمهات على حكمتهن التي لا نفهمها إلا بعد أن نمضي سنوات في هذه الحياة. واليوم أردد دعاء أمي بكل يقين: “اللهم لا تشغلنا بأحدٍ من خلقك، واشغلنا بأنفسنا، وأصلح قلوبنا، واجعل أعمارنا عامرة بما يرضيك، فما أجمل الحياة حين يعيشها الإنسان لنفسه، ويترك للناس حياتهم، وللقلوب سلامها\).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *