عند الحديث عن جورج أورويل، يتبادر إلى الذهن فوراً صورة الكاتب الأكثر التزاماً بالمبادئ الأخلاقية في أدب القرن العشرين. إنه من حارب الأنظمة الديكتاتورية في الحرب الأهلية الإسبانية، ومؤلف الرواية الخالدة (1984) التي فضحت أساليب المخابرات السوفييتية، والمفكر الذي لا تزال رائعته (مزرعة الحيوان) تُقرأ وتُدرَّس في مختلف أنحاء العالم.
علاقة أورويل بزوجته الأولى: قسوة وأنانية
غير أن هذه الصورة المشرقة تخفي جانباً مظلماً في حياته الشخصية؛ إذ كانت علاقته بزوجته الأولى (إيلين أوشونيسي) متوترة، وكان يعاملها بطريقة غير لائقة، رغم التضحيات الجسيمة التي بذلتها من أجله. هذا ما ورد في كتاب جديد للكاتبة (آنا فندر) بعنوان (حياة زوجية: الحياة الخفية للسيدة أورويل) (wifedom: Mrs Orwell’s Invisible Life)، والذي اعتمدت فيه على مراسلات بين أورويل وزوجته، ومعلومات من صديقات إيلين، ومصادر أخرى. ويرى البعض أن فندر، التي تسعى لإعادة الاعتبار لإيلين، ربما أضفت بعض آرائها الشخصية على تفسير سلوكيات أورويل، رغم تأكيدها أنها لا تهدف إلى تشويه صورته لدى قرائه الملايين.
وقد كان تعامل أورويل مع زوجته قاسياً منذ بداية الزواج؛ إذ تخلت إيلين عن إكمال دراسة الماجستير في جامعة كوليدج لتتفرغ للحياة الزوجية والأعمال المنزلية، بل والأهم من ذلك، عملت كسكرتيرة ومحررة لأعماله. فمن طبع مخطوطة (الطريق إلى رصيف ويغان) و(تحية إلى كتالونيا) على الآلة الطابعة، إلى الاستماع لرواية (مزرعة الحيوان) وإبداء ملاحظاتها عليها، وإضفاء روح الدعابة التي تمتعت بها على الحوار. وتحملت في المقابل ظروف العيش القاسية في كوخ بلا كهرباء أو حمام داخلي. ورغم كل ذلك، لم يشر أورويل إلى دورها مطلقاً، ولم يولها الاهتمام الكافي، منكباً على كتاباته فقط، بل إنه كان يخونها مع صديقاتها.
قسوة حتى في المرض والعقم
وتسرد آنا فندر تفاصيل صادمة عن حياة إيلين مع أورويل، فتصفه بأنه كان بالغ القسوة في معاملتها، وأنانياً في حياته، حتى وهي تعاني من مرض السرطان. وكان أورويل مصاباً بالدرن وعقيماً، لكنه لم يُخبر زوجته بذلك إلا بعد الزواج.
واللافت أن إيلين كتبت قصيدة في عام 1934 (أي قبل عام من لقائها بأورويل) تحت عنوان (نهاية قرن 1984) بمناسبة مرور خمسين عاماً على مئوية تأسيس مدرستها (مدرسة سندرلاند الثانوية). ويُرجَّح أن أورويل تأثر بها وبما حملته من رؤية مستقبلية، خاصة فيما يتعلق بالتحكم في العقل والحد من الحرية الشخصية بواسطة النظام الحاكم، نظراً للشبه الكبير بين هذه القصيدة ورواية 1984.
وقد نشرت فندر مقالاً في صحيفة الغارديان بتاريخ 30 يوليو 2023 تحت عنوان (البحث عن إيلين: كيف استبعد جورج أورويل زوجته من قصته)، تروي فيه قصة كتابها. ويمكن الاطلاع على معلومات إضافية عن الكتاب عبر موقع فندر الإلكتروني: https://www.annafunder.com/wifedom/.
شريكة فكرية لا مجرد مساعدة
وخلاصة ما تؤكده فندر في كتابها أن إيلين لم تكن مجرد داعمة عملية وإبداعية لأورويل، بل كانت شريكة فكرية وأدبية حقيقية. وترى الكاتبة أن بعض جوانب شخصية أورويل تعكس ثقافة ذكورية كانت سائدة آنذاك، رغم خطابه حول المثاليات الأخلاقية. ويزيد المشكلة عمقاً أن السير الذاتية التي تناولت حياة أورويل لا تنكر هذا الدور، مما يعيد طرح التساؤل حول تهميش أدوار النساء المحيطات بالكتاب المشهورين رغم أهميتهن الكبيرة.





