الواقع والواقعية في مسيرة المشاريع الوطنية: بين الطموح والإنجاز

01/07/2026 07:01

إن إنجازات رؤية المملكة تتسم بالعديد من النجاحات التي تحققت ضمن جداول زمنية محكمة، إلا أن فكرة أن مشروعًا يهدف إلى تحويل اقتصاد دولة بأكملها وإعادة رسم خريطة إقليم بأكملها سيستمر دون أي تعديل هي فكرة غير واقعية.

الديناميكية والتغيير في المشاريع الكبرى

كل من درس فن إدارة المشاريع أو شارك فيها يدرك أن التغيير لا يُستثنى من دورة حياة أي مبادرة. على العكس، يعتبر التحديث المستمر سمة أساسية للمشروعات الضخمة، لا سيما عندما تكون الرؤية نفسها قابلة للتعديل لتواكب المتغيرات الاقتصادية والتقنية والجيوسياسية.

من النجاحات إلى الفجوات: ضرورة الواقعية

لقد شهدنا نجاحات بارزة في عدة برامج، وفي الوقت نفسه تواجه بعض المشاريع صعوبات تعيق تحقيق الأهداف المرجوة. ما يطلبه الوقت الحالي هو تبني نهج واقعي يضع الفعل فوق الكلام، فكما قال بنجامين فرانكلين: «فعلٌ ممتاز خيرٌ من قولٍ ممتاز».

القادة لا يُقاسون بعدد المؤتمرات أو اللقاءات الإعلامية، بل بتأثير ما يتركونه على المدى الطويل. ومثلما ردد مارك توين أن «الأفعال تتحدث بصوت أعلى من الكلمات»، فإن الإنجازات الفعلية هي المعيار الحقيقي.

تجاوز الوعود الإعلامية إلى النتائج الملموسة

تواجهنا حالات لمدراء يبدؤون ولاياتهم ببيانات طموحة وحملات دعائية واسعة، لتنتهي التجربة دون أن تُقابل الوعود بحجم الإنجازات. فقد سُمعت تصريحات عن إنشاء عشرات المصانع، لكن السنوات مرت دون أن يلمس المواطن أي أثر ملموس.

وفي الوقت نفسه، تُرفع أصوات تتحدث عن طموحات منافسة كبرى في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، إلا أن الواقع يتطلب منا أن نُقَيِّم قدراتنا النسبية. فالقوة الحقيقية تكمن في انخفاض تكلفة الطاقة وتوفرها، وسرعة إصدار تراخيص مراكز البيانات، وحجم العقود الحكومية في بيئة تقنية متقدمة.

ليس لدينا عدد هائل من المبرمجين كما في بعض الدول ذات الكثافة السكانية الكبيرة، ولا نحتل صدارة قطاع التكنولوجيا وأشباه الموصلات عالميًا بعد؛ لذا فإن الإصرار على إعلانات واسعة دون نتائج فعلية لا يخدم الأهداف.

التحفظ في قطاعات الطيران والطاقة

في قطاع الطيران، يعلن البعض عن منافسة كبار الشركات العالمية التي بنت سمعتها على مدار عقود، بينما لا يزال البعض في مرحلة استلام أولى طائراته. المنهج الإداري السليم يحثنا على تقييم الأداء والخدمات أولًا، ثم دعمها إذا أثبتت كفاءتها.

كما أن الاعتماد على الموارد المالية الضخمة وحدها لا يضمن النجاح؛ فمثلاً، لم يُظهر منتخبنا الوطني لكرة القدم في كأس العالم الأداء المتوقّع رغم الدعم الواسع، ما يوضح أن رفع سقف التوقعات بلا واقع قد يصطدم بالحقيقة.

هناك أيضًا سوء فهم في بعض الفرق الإعلامية يرفع من قيمة «الهوية البصرية» وإعادة تصميم الشعارات كإنجاز أساسي، متغافلين أن الشعار لا يمنح المؤسسة قيمتها؛ إنما جودة المنتجات والخدمات هي التي تُعطي للعلامة التجارية وزنًا في السوق، كما هو الحال مع شركات مثل Apple وNVIDIA وWalmart.

إذا أعلن رئيس مجلس إدارة شركة في مجال الطاقة المتجددة عن نية منافسة اللاعبين العالميين، فإن تاريخ الشركة وإنجازاتها هو ما سيؤيد ذلك، وليس مجرد شعارات أو حملات دعائية.

وفي ختام القول، نؤكد أن التفاؤل لا يزال حاضرًا، لكن الواقعية والشفافية هما الضمانة الحقيقية للنجاح. إن نجاح أي قائد يُقاس بإنجازاته الفعلية داخل منظومته، بغض النظر عن جنسيته أو خلفيته، وهذا هو ما يدفعنا إلى دعم المنظومة الوطنية ككل.

نختم بالتحذير من ظاهرة «تأثير دانينج-كروجر» التي قد تجعل الأفراد غير المؤهلين يبالغون في تقدير قدراتهم، كما يذكر آدم غرانت أن المتفاخرين غالبًا ما يكونون غير آمنين ويبحثون عن اهتمام مستمر، مما قد ينعكس سلبًا على مسيرة التنمية.

نتمنى للجميع التوفيق، فكل إنجاز يضيف إلى مسار الوطن، والواقعية هي القاعدة التي لا يُمكن الاستغناء عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *