في الساحة المؤسسية الراهنة، أصبحت مذكرات التفاهم ظاهرة متكررة في الفعاليات الرسمية والإعلانات الإعلامية. لا يمر أسبوع دون أن نشهد بيانًا جديدًا عن توقيع اتفاقية بين جهتين أو أكثر، يصاحبه صور تذكارية وتصريحات تفاؤلية تُبشر بآفاق واسعة من التعاون المشترك.
الأهمية الجوهرية للمذكرة
تُعَدُّ مذكرات التفاهم، من حيث المبدأ، أداة أساسية لتأطير العلاقات بين المؤسسات؛ فهي تمهد لتبادل الخبرات وتوحيد الجهود واستغلال الموارد المشتركة. قد تشكل هذه الوثائق نقطة انطلاق لمبادرات نوعية تسهم في خدمة المجتمع وتحقيق أهداف التنمية.
تحديات التحول إلى وجاهة
تظهر المشكلة ليس في المذكرة نفسها، بل في الثقافة التي تحيط بها. عندما يتحول توقيع الوثيقة إلى غاية بحد ذاته، بدلاً من أن يكون وسيلة، تتسع الفجوة بين ما يُعلن عنه وما يتحقق فعليًا على أرض الواقع. كثيرًا ما تُغطى مذكرات التفاهم إعلاميًا بوفرة، ثم تختفي أخبارها فور انتهاء مراسم التوقيع.
وتُصنَّف بعض الاتفاقيات على أنها “استراتيجية” أو “نوعية” دون أن يظهر للمستفيدين أثر ملموس بعد أشهر أو سنوات. كذلك، هناك جهات تفتخر بعدد الاتفاقيات الموقعة لكنها لا تملك مؤشرات واضحة لقياس النتائج أو العائد المتحقق.
قيمة الشراكة تتجاوز عدد الصفحات
إن الهدف ليس التشكيك في النوايا أو التقليل من الجهود، بل الإشارة إلى أن قيمة أي شراكة تُقاس بما تُنتجه من أثر يمكن رصده، لا بعدد الأوراق الموقعة. بعض المؤسسات تتعامل مع مذكرات التفاهم كدليل على النشاط الإداري؛ فكلما ارتفع عدد المذكرات، بدا المشهد أكثر حيوية. إلا أن العدد وحده لا يضمن الفاعلية. قد تكون مؤسسة توقّع عددًا محدودًا من الاتفاقيات لكنها نجحت في تحويلها إلى برامج ومبادرات واقعية.
ضرورة المتابعة والتقييم
تُظهر الممارسة أن غياب آليات المتابعة والتقييم يُعَدّ أحد أبرز العقبات. قلة قليلة من الجهات تنشر تقارير توضح ما تم إنجازه بعد عام من توقيع المذكرة، وغالبًا ما يظل الإعلام يركز على لحظة التوقيع دون إيلاء اهتمام كافٍ لمرحلة التنفيذ. الشفافية المؤسسية الحقيقية لا تقتصر على الإعلان عن البداية، بل تشمل توثيق النتائج، قياس الأثر، والإفصاح عن التحديات والنجاحات على حد سواء.
وبما أن الموارد والوقت محدودان، فإن أي شراكة لا تُظهر تحسنًا في الأداء أو تطويرًا للخدمات أو قيمة مضافة للمستفيدين تستحق المراجعة، مهما بدت جذابة في لحظة إعلانها.
إعادة تعريف النجاح
ربما حان الوقت لإعادة صياغة مفهوم النجاح في هذا المجال. بدلاً من سؤال “كم عدد مذكرات التفاهم التي وقعناها؟” يجب أن يُطرح السؤال: “ماذا أنجزنا من خلال ما وقعناه؟” وعلى نحو مماثل، لا ينبغي الاحتفال بعدد الشركاء بحد ذاته، بل بالنتائج التي تحققت بفضل تلك الشراكات.
الإنجاز الحقيقي لا يبدأ بتوقيع الوثيقة، بل يبدأ عندما تتحول البنود المكتوبة إلى خطط عمل، وتصبح الوعود مبادرات، وتتحول الأفكار إلى مشروعات تُحدث أثرًا ملموسًا يشعر به المستفيد النهائي.
في الختام، تبقى مذكرات التفاهم أداة مهمة وضرورية ما دامت مرتبطة بالتنفيذ والمتابعة والمسائلة. أما إذا اقتصرت على مراسم التوقيع والصور التذكارية والتغطية الإعلامية، فإن السؤال سيظل قائمًا: هل نوقع مذكرات التفاهم لصناعة الأثر أم لصناعة الانطباع؟ الفارق بين هذين المسارين هو الفارق بين مؤسسة تُحدث تحولًا حقيقيًا وأخرى تكتفي بصناعة الصورة.





