يتفق الجميع على أن الطبيعة البشرية تميل إلى التوجيه والتأثير في الآخرين، لذا قد يبدو حب القيادة سلوكاً فطرياً. غير أن تولّي المنصب لا يمنح الإنسان تلقائياً صفة العظمة أو النجاح في المسؤولية؛ فليس كل من ارتاح إلى الكرسي يصبح قائداً حقيقياً.
تحول السلوك بعد الحصول على المنصب
في أوساط العمل نلاحظ كثيراً موظفين كانوا في السابق زملاء عاديين يتبادلون الحديث والابتسامات، ويتذمرون من صرامة بعض المدراء. وعند ترقيتهم إلى مناصب إدارية، يطرأ عليهم تغير ملحوظ؛ يتبدل أسلوب حديثهم، وتعلو نبرتهم، ويبدؤون في ممارسة سلطة لم يسبق لهم امتلاكها، كأن المنصب يُستغل لتعويض نقص أو لتصفية حسابات أو لإثبات الذات.
«بريق السلطة» وإغراءات الإدارة السطحية
تظهر ما يُسمى بـ«بريق السلطة» عندما يظن البعض أن الإدارة تعني فقط إصدار الأوامر ومراقبة التنفيذ تحت ذريعة متابعة الأعمال. ينغمس هؤلاء في تفاصيل دقيقة دون أن يخططوا للأمور الكبيرة التي قد تُسهم في بناء سمعة ومجد حقيقي.
القيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في الكرسي
المنصب بحد ذاته لا يضيف قيمة إلى الشخص؛ وإنما يضيف الإنسان قيمته من خلال عمله وإنجازاته. عندما ينضج العقل وتُستشعر أمانة المسؤولية، يدرك المرء أن الكرسي ليس مفتاحاً للنجاح بل قد يعرضه للمراقبة الدقيقة. لذا فإن الحذر والاهتمام يصبحان واجبين. كما قال حكيم لابنه: «لا تكن رأساً، فإن الرأس كثير الآفات». من يدرك حجم المسؤولية سيصبح أكثر تواضعاً ورقيًا في تعامله مع الآخرين، فهؤلاء هم الأذرعة التي تدعم النجاح وتدفعه إلى الصعود.
الإدارة أداة مسؤولة لا استعراض للسلطة
المسألة لا تتعلق بالسلطة نفسها، فهذه الأخيرة أداة أساسية لتسيير الأعمال واتخاذ القرارات. المشكلة تكمن في الفهم المحدود لمعنى الإدارة. فالعملية الإدارية ليست عرضاً للقوة ولا ممارسة للنفوذ، ولا تذكيراً مستمراً للموظفين بمن يتخذ القرار. في جوهرها، الإدارة مسؤولية قبل أن تكون صلاحية، وتوجيه قبل أن تكون تهديداً، وأمانة قبل أن تصبح امتيازاً.
كم من مدير رحل عن منصبه ولم يبقَ في ذاكرة الناس سوى شكاواه وتذمره، بينما يظل اسم قائد آخر يُذكر بالخير والامتنان بعد رحيله. الفارق لا يكمن في حجم الصلاحيات أو فخامة المكتب، بل في أسلوب التعامل وصدق القيادة وسمو الأخلاق. ما يبقى في النهاية هو الأثر الذي يتركه الفرد خلفه.
القيادة الحقيقية تبدأ عندما يدرك المسؤول أن احترام الناس واجب، وأن المعاملة الحسنة مطلب أساسي. إن ارتقاء قيمة الفرد يرتكز على حسن تعامله وأمانته وإنجازاته. وأعظم القادة هم الذين كسبوا قلوب الناس وسعوا لتحقيق الأهداف بتناغم مع فريقهم. فالمقاعد قد تزول، لكن القيم والسمعة الطيبة تظل شاهدة على صاحبها طويلاً.
يا قائد، اجعل اسمك خالداً بذكريات طيبة.





