تطرح هذه المأدبة سؤالًا خفيًا عن كيفية إدراك العربي لمفهوم الدولة، خصوصًا ذلك العربي الذي كان يقرأ تحولات التاريخ من خلال محورَي المال والحرب. تجعلنا المأدبة نواجه سؤالًا طرحه عربيٌ في عصرٍ ما: ما الفرق بين الإسلام والإيمان؟
الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان
وفقًا للأحاديث المتواترة، سأل جبريل النبي محمد ﷺ ففرق بين الإسلام والإيمان والإحسان: جعل الإسلام الأعمال الظاهرة، وجعل الإيمان الأعمال الباطنة، وجعل الإحسان ما فوق ذلك، ولكلٍّ أركانه المستقلة. وهذا يوضح معنى الآية: «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا» أي أنهم أعلنوا الإيمان باللسان فقط بينما تركوا الباطن.
هل يمكن وجود الإيمان دون Islam؟
يثير ذلك سؤالًا محيرًا: هل يمكن أن يوجدbelief دون adherence إلى الشريعة؟ حين رفض البعض فكرة الإيمان بلا Islam، برروا ذلك بأن المؤمن يتجه تلقائيًا لأداء أركان الشريعة، لكن ماذا لو أدى تلك الأركان بعيدًا عن أعين الرقيب؟ مثال: يصلي منفردًا أو ينوي الشهادتين دون نطقها؟
يذكر أن أعمى سأل النبي ﷺ: ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فهل أصلي في البيت؟ أجابه النبي: هل تسمع النداء؟ قال نعم، قال: أجب. هذا يوضح الحرص على أن تكون الأركان ظاهرة.
الأركان كشكل للدولة القديمة
ربما يكون السبب في إظهار الأركان هو أنها، عند العرب القدامى، تشكل مفهوم الدولة ذاتها. الأداء الظاهري الذي ينظم اليوم والليل يتحول إلى سلوك مبرمج يشبه جنديًّا في جيش أو موظفًا تحت نظام بيروقراطي. بهذا يطرح العربي القديم سؤالًا: هل الإسلام هو الدولة والإيمان هو الدين؟
العربي القديم لم يكن يسأل «ما الدولة؟» بل كان يراها متجلية في السلوك الجماعي بين المال والحرب. دولة المال، التي هي ساحة للفئات والأفراد، جاء ركن الزكاة لينظم هذه الفردية ويحولها إلى شأن جماعي. دولة الحرب، التي لا تقوم إلا بالحشد، جاءت الصلاة لتؤسس لها بتجنيد يومي. وجاء الصوم يضبط غريزة الجسد بتوقيت جماعي: لا يأكل الفرد إلا إذا أكلت الجماعة، ولا يمسك إلا إذا أمسكت. والحج يشبه مؤتمرًا جيوسياسيًّا حيث تتجه القبائل إلى عاصمة الدولة، تتجرد من ألوانها وتلبس البياض، والشرط هو الشعور والجماعة.
من هنا قد يكون الإسلام هو هيكل الدولة عند العربي العتيق، والإيمان هو الدين نفسه، ولكلٍّ أركانه المستقلة.
تغير مفهوم الدولة مع الحداثة
جذر كلمة «الدولة» (د‑و‑ل) يحمل معنى التداول والانتقال والزوالزوالزوال. dzięki أركان الإسلام أصبح هذا اللفظ ثابتًا، لكن هذا الثبات لم يدم طويلًا؛ فقد عاود (د‑و‑ل) بالتغير مع تحلل البناء الاجتماعي وفق عوامل كل عصر، ثم تغير كليًّا بفعل الحداثة وصدمتها، فانتشرت على ألسنة الناس عبارة: «الدين بالقلب».
ربما يُستخدم هذا التعبير لحل مشكلة التقارب بين الإسلام والحداثة، والسؤال الذي يطرحه عربيٌ قديم على عربيٍ حديث هو: ما المقصود بـ«الدين بالقلب»؟ هل هو الإسلام أم الإيمان؟ وأيًّا كان الجواب، ما يترتب عليه؟
غضب أبي بكر وتفكيك الدولة
غضب أبو بكر الصدّيق عندما فرَّقت قبائل من غطفان وأسد بين الزكاة والصلاة، وقال: «والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة». ربما كانت هذه الغضب أول تعبير عن معنى تفكك الدولة؛ إذ أرادت تلك القبائل فكّ الربط الحسي بين دولة المال (بالضمة) ودولة الحرب (بالفتحة). وربما تجسد غضب أبي بكر أيضًا قول عيسى بن عمر في المأدبة.
وهكذا لم يلبث الثبات أن (د‑و‑ل) من جديد بتفكك الهيكل الاجتماعي حسب عوامل كل زمن، حتى تغير كليًّا بفعل الحداثة وصدمتها، مما أدى إلى انتشار القول: «الدين بالقلب».





