هل بتنا نستحي من الملامح التي وُلدنا بها؟ في سنوات مضت، كان اللجوء إلى جراحات التجميل مقترناً في الغالب بإصلاح خلل صغير، أو تحسين هيئة، أو معالجة مشكلة تنعكس على شكل الإنسان. لكن الصورة تبدّلت في وقتنا الراهن تبدلاً واسعاً، إذ نشهد إقبالاً متزايداً على هذه العمليات، حتى إن بعض الناس لم يعد يكتفي بإجراء واحد، بل ينتقل من عملية إلى أخرى، وكأن وجهه مشروع مفتوح لا يعرف نهاية.
ملامح كأنها مشروع لا ينتهي
ليس المقصود هنا مناقشة حق الإنسان في أن يحسّن مظهره أو أن يخضع لعملية تجميل، فذلك شأن فردي، ولكل شخص حرية القرار فيما يتصل بهيئته. غير أن ما يستدعي التوقف هو ذلك الانتشار الواسع، والمبالغة التي تظهر أحياناً في تغيير الملامح، إلى الحد الذي صار معه السؤال مطروحاً: هل ما زلنا نبحث عن الجمال حقاً، أم أننا لم نعد راضين عن أشكالنا الطبيعية؟
اقرأ أيضاً: النسبة الموزونة في الجامعات: هل تحسم المستقبل بعدل؟
والملاحظة الأكثر لفتاً للانتباه في هذه المرحلة أن كثيراً من الوجوه بدأت تتشابه؛ الأنف يكاد يكون واحداً، والشفاه بالحجم ذاته، والفك مرسوم على النمط نفسه، والخدود بارزة بالطريقة نفسها. وكأن الجمال صار له قالب واحد ينبغي على الجميع محاولة الوصول إليه، في حين أن جمال الإنسان في أصله كامن في اختلاف ملامحه وتفاصيل وجهه.
اقرأ أيضاً: لأول مرة في المنطقة العربية: هيئة دولية أمريكية تحل مشكلة الخيل غير المسجّل بهوية رقمية خلال 48 ساعة
شاشات تصنع صورة الإنسان عن نفسه
هنا يبرز أثر منصات التواصل الاجتماعي، وقد أصبحت ركناً أساسياً في حياتنا اليومية، وأسهمت في تحويل الطريقة التي نرى بها أنفسنا ونرى الآخرين. فالمستخدم يتعرض كل يوم لصور ومقاطع يظهر أصحابها بإضاءة مثالية، وبفلاتر وتعديلات قادرة على تغيير الملامح، ومع تكرار المقارنة قد تنشأ عند بعضهم رغبة في تحسين تفاصيل لم تكن تشكل له مصدر إزعاج من قبل.
ويتضاعف هذا الأثر بحضور المشاهير والمؤثرين، وقد صار لبعضهم تأثير كبير في نشر هذه الثقافة؛ فمنهم من يروّج لعمليات التجميل وللعيادات، ويعرض النتائج وكأنها تجارب يسيرة ومضمونة، من دون أن يتناول بشكل كافٍ ما تحمله من مخاطر ومضاعفات. وقد يدفع هذا المحتوى بعض المتابعين إلى تقليدهم، وإلى الشعور بأن ملامحهم بحاجة إلى تغيير حتى يكونوا أجمل وأكثر قبولاً عند الآخرين.
اقرأ أيضاً: صمت الموظفين قد يكلّف الشركات مليارات
والأثر لا يقف عند المشاهير وحدهم، بل يمتد إلى طريقة عمل المنصات نفسها؛ فالمحتوى الذي يثير الفضول ويجمع المشاهدات ينتشر بسرعة، وصور التحول قبل التجميل وبعده من أكثر المواد جذباً للانتباه. ومع تكرار ظهورها قد يتشكل لدى المستخدم انطباع بأن الجميع متجهون إلى التجميل، وأن تغيير الملامح صار أمراً عادياً لا يستلزم تفكيراً طويلاً.
سوق تنمو من عدم الرضا
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل البعد التجاري، فهناك سوق واسعة تستفيد من شعور الإنسان بعدم رضاه عن شكله. وبدل أن تكون الرسالة هي تقبّل الملامح والرضا بها، نجد نشاطاً إعلانياً وتسويقياً مصاحباً، ومنافسة شديدة بين العيادات في طرح العروض والخصومات.
والأكثر إثارة للقلق أن هذا التأثير لم يبق محصوراً في الكبار، بل صرنا نلحظ اهتماماً بالتجميل في أعمار صغيرة، وهو ما يفتح باباً للنقاش حول ما يشاهده الشباب والفتيات كل يوم، وحول قدرتهم على التمييز بين الجمال الطبيعي والصور التي تصنعها الفلاتر والإعلانات.
التجميل ليس كله هوساً
في المقابل، من المهم النظر إلى عمليات التجميل بموضوعية؛ فليست جميعها مرتبطة بالمبالغة أو باتباع الموضة، فبعضها يعالج مشكلات صحية أو تشوهات أو آثار حوادث، وبعضها الآخر يأتي تلبية لرغبة شخصية مدروسة في تحسين المظهر. ولكل إنسان الحق في اتخاذ القرار الذي يناسبه، ما دام مدركاً لطبيعة الإجراء ومخاطره، ومستنداً إلى استشارة طبية متخصصة. ولذلك لا ينبغي أن نفرض على الآخرين شكلاً محدداً للجمال، أو أن نحكم على اختياراتهم في تحسين مظهرهم، لكن المهم أن نتوقف عند ثقافة المقارنة التي قد تجعل الإنسان غير راضٍ عن ملامحه، وتدفعه إلى التفكير في تغييرها لمجرد تأثره بصورة رآها.
فهل نخضع لعمليات التجميل لأننا نريد أن نكون أجمل، أم لأننا لم نعد نرى الجمال في ملامحنا كما هي؟
ربما لا تكمن المشكلة في عمليات التجميل ذاتها، بل في أننا بدأنا نقتنع بأننا بحاجة إلى تغيير وجوهنا حتى نكون مقبولين عند الآخرين، والأسوأ من ذلك أن تتحول ملامحنا الطبيعية من مصدر تميز إلى شيء نحاول التخلص منه.
المزيد في قسم كتاب و آراء






