صمت الموظفين قد يكلّف الشركات مليارات
لا تنشأ الكوارث الكبرى دائماً عن انفجار مدوٍ. ففي كثير من الأحيان، تبدأ بهمس خافت: صوت غريب يصدر من إحدى الآلات، رقم لا يتوافق مع المعطيات المعتادة، خطأ برمجي صغير، أو ملاحظة عابرة يلتقطها موظف في ذيل السلم الوظيفي. يتأملها، ويفكر في إبلاغ مشرفه، ثم يتراجع قائلاً في نفسه: ماذا لو كنت مخطئاً؟ وماذا لو ظهرت بمظهر المبالغ في الشكوى؟ فيطوي الملف ويواصل يومه. وبعد شهور، يتحول ذلك التفصيل التافه إلى السؤال الذي يتردد في أرجاء المؤسسة: كيف فات الجميع رؤيته؟ والحقيقة أن أحدهم رآه بالفعل، لكنه تعلم ألا ينطق بكلمة.
دراسة تكشف دوافع الصمت التنظيمي
دراسة حديثة حملت عنوان «الإشارات الضعيفة الصامتة في عمليات الموانئ»، شملت 1415 موظفاً و42 مقابلة متعمقة، سعت إلى فهم كيفية تحول المؤشرات المبكرة الضئيلة إلى مخاطر جسيمة حين يلتزم العاملون الصمت. وكشفت النتائج أن وجود بيئة من السلامة النفسية يحد بشكل كبير مما يسميه الباحثون «الصمت الإذعاني»؛ أي امتناع الموظف عن الكلام لاعتقاده أن الاعتراض لن يجدي نفعاً، أو خوفاً من تكلفة اجتماعية أو مهنية قد يتكبدها نتيجة إبداء رأيه.
والتاريخ يقدم دروساً قاسية في هذا المجال. ففي عام 1986، قبل كارثة مكوك الفضاء تشالنجر، كانت التحذيرات المتعلقة بحلقات الإحكام معروفة، وحذر مهندسون من المخاطر التي قد تنجم عن الإطلاق في أجواء باردة. وفي عام 1999، فُقد مسبار مناخ المريخ بسبب عدم تطابق وحدات القياس التي استخدمها فريقان يعملان على المشروع. أما شركة «نايت كابيتال» ففي عام 2012، سبقت كارثتها البرمجية رسائل خطأ لم تُحوَّل إلى إنذار فعال، وخلال 45 دقيقة فقط تجاوزت خسائرها 460 مليون دولار. إن الكارثة غالباً ما تهمس قبل أن تعلو صرختها.
دروس للسوق السعودية المتسارعة
وهذا الدرس يحمل أهمية خاصة للسوق السعودية في عام 2026. فالمملكة تشهد توسعاً متسارعاً في قطاعات الصناعة والخدمات اللوجستية والطيران والتقنية والمشاريع الكبرى. وفي بيئة تتحرك بسرعة فائقة، تصبح المعلومة التي تأتي من الصفوف الأمامية جزءاً لا يتجزأ من نظام إدارة المخاطر والإنذار المبكر، لا مجرد رأي عابر لموظف عادي.
أمام الشركات خياران لبناء ثقافة تنظيمية. الأول: أن يتعلم الموظف أن من يأتي بالمشكلة يصبح هو المشكلة ذاتها: لماذا تعترض؟ لماذا تضخم الأمور؟ ومن طلب رأيك أصلاً؟ وبعد مرات قليلة من هذا الأسلوب، يلتقط الجميع الرسالة ويختارون الصمت أو اللامبالاة. الثاني: أن نسأل الموظف الذي يرفع يده سؤالاً بسيطاً: ماذا رأيت؟ وهذا ليس ترفاً إدارياً. فثقافة العمل التي تشجع النقاش وإبداء الرأي والإبلاغ المبكر عن المشكلات تحول الموظف إلى جزء من منظومة الحماية، بدلاً من أن يكون مجرد منفذ ينتظر التعليمات.
مؤشر جديد للنجاح
ولذلك، ربما تحتاج الشركات السعودية إلى مؤشر أداء جديد لا يظهر في قوائمها المالية: كم مشكلة صغيرة تم اكتشافها لأن موظفاً شعر بالأمان الكافي ليتحدث؟ وقد يكون السؤال الأهم الذي يطرحه المدير على نفسه: هل موظفي صامتون لأن كل شيء يسير على ما يرام، أم لأننا علمناهم أن الصمت أكثر أماناً؟ فالمدير الناجح ليس من لا يسمع أخباراً سيئة، بل من يسمعها في وقت مبكر. لا تعاقب من يقرع جرس الإنذار.






