تمرّ المجتمعات بمرحلة مفصلية في تاريخها، حيث تختلف المقاييس التي تُحدد بها قيمة الإنسان؛ فبين زمن كان الإبداع فيه عنوان التقدير، وزمن صار فيه عدد المتابعين والممتلكات هو المعيار، يجد المرء نفسه أمام سؤال جوهري: هل نسير فعلًا نحو تقدم حضاري، أم أن ما نعيشه مجرد تطور تقني يقابله تراجع في القيم الإنسانية؟
مشهد يثير التساؤلات
لفت انتباه الكاتب نبيل فهد المعجل مشهدٌ مؤثر رواه عبر تغريدة له، يتعلق بالأديب الجزائري حامد ياسين، الذي انهمرت دموعه أثناء توقيع روايته الجديدة في قاعة كادت تخلو من الحضور. وهذا المشهد لا يعكس مجرد لحظة ضعف عابرة لكاتب، بل يرمز إلى وضع أعمق يتعلق بمكانة الثقافة ذاتها، ويثير سؤالًا ملحًا: كيف يمكن لمجتمع أن يمنح صانعي المحتوى العابرين جماهير غفيرة، بينما يجد أصحاب الفكر والإبداع أنفسهم وحيدين ينتظرون قارئًا واحدًا؟
لا يمكن الجزم بأن الماضي كان مثاليًا بكل تفاصيله، ولا أن الحاضر يخلو من أي قيمة؛ فلكل عصر مزاياه وسلبياته. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تختل موازين التقدير الاجتماعي، ويصبح الصخب أكثر جاذبية من المعرفة، وتتفوق الشهرة على القيمة، ويطغى المظهر على الجوهر.
التكنولوجيا واقتصاد الانتباه
لقد وفّرت التكنولوجيا فرصًا هائلة للوصول إلى المعرفة، غير أنها أنشأت في المقابل اقتصادًا جديدًا قائمًا على الاتجار بالانتباه. فأصبح الإنسان محاصرًا بفيض من الرسائل والصور والمقاطع المتنافسة على وقته وعواطفه، حتى غدا التأمل في القراءة عبئًا على البعض، وأصبح التفكير العميق رفاهية لا مكان لها في إيقاع الحياة المتسارع.
ولكن يبقى السؤال: هل يقع اللوم على الأفراد وحدهم، أم أن المؤسسات المسؤولة عن تشكيل الذائقة العامة شريكة في ذلك؟ هل قصّرت الأسرة في ترسيخ حب المعرفة لدى الأبناء؟ وهل تراجعت المدرسة عن دورها في بناء إنسان مفكر؟ وهل باتت وسائل الإعلام ومنصات التواصل تكافئ الإثارة أكثر من الإبداع؟
قضية تتجاوز الثقافة
هذه التساؤلات ليست مجرد شأن ثقافي هامشي، بل تمثل قضية حضارية واقتصادية وإنسانية بالغة الأهمية، تستحق أن تتبناها الجامعات ومراكز البحوث لدراسة التحولات في سلوك المجتمعات، وعلاقة الأجيال الجديدة بالكتاب والفنون والفكر، وأثر الخوارزميات في صياغة الذوق العام.
ومع ذلك، ينبغي ألا يُفسَّر المشهد بشكل متسرع؛ فالقاعة شبه الخالية لا تعني بالضرورة أن المجتمع فارغ من الثقافة. فقد يعود السبب إلى ضعف التنظيم أو التسويق أو صعوبة وصول الجمهور إلى المكان. لذا فإن إصدار حكم قاطع على عصر بأكمله من خلال حادثة واحدة يُعد ظلمًا آخر للحقيقة.
دعوة لمشروع مجتمعي
إن نهضة الأمم لا تُقاس فقط بارتفاع الأبراج أو سرعة القطارات أو تطور الأجهزة، بل تُقاس أيضًا بالمكانة التي تُمنح للمعلم والعالم والكاتب والفنان والمفكر.
ويبقى التخوف الأكبر من أن يأتي يوم نمتلك فيه أذكى الآلات في العالم، بينما نفقد شغفنا بالتفكير، وأن ننجح في صناعة ذكاء اصطناعي مذهل، ونعجز في الوقت ذاته عن حماية الذكاء الإنساني من التهميش. لذلك تُطرح الدعوة إلى مشروع مجتمعي يعيد الاعتبار للقراءة والإبداع، يبدأ من المدارس والجامعات، ويمتد إلى الإعلام والمؤسسات الثقافية، وتشارك فيه الشركات عبر رعاية المبدعين وفتح المنابر أمامهم.
فالسؤال الجوهري ليس: لماذا بكى ذلك الكاتب أمام المقاعد الخالية؟ بل السؤال الأكثر إيلامًا: ماذا لو جاء يوم لم يعد فيه بيننا من يكتب، أو من يشعر أصلًا أن غياب الكاتب يشكل خسارة؟ وحينها لن تكون الكارثة أن تبقى القاعات خالية من القراء، بل أن تصبح العقول نفسها قاعات خالية من الأفكار.






