لم تكن الجدارة الفنية وحدها ما يمنح النجمة منى زكي مكانتها الفريدة، بل ما يعرفه المنصفون من متابعي مسيرتها أنها تجمع في شخصها ثلاثية نادرة: النبل، والتواضع، والطموح. إن كان النبل يعني سمو الأخلاق والحرص على الآخرين، فقد تجلى ذلك في تصريحها الصادق عن فيلمها الأخير “الست”، حيث جسدت دور أم كلثوم، إذ قالت بنبرة يملؤها الأسى: إن الهجوم على العمل لم يؤلمها شخصياً، بل شعرت بأنها آذت من شاركها في طاقم الفيلم، وأضافت والغصة تخنق حلقها: “حسيت أني آذيت ناس أكبر مني”.
تواضع لا ينقصه بريق الشهرة
أول انطباع خرج به كاتب هذه السطور بعد حوار صحفي مطول أجراه معها قبل سنوات طويلة، أثناء عرض مسرحية “كده أوكي”، أنها فنانة معجونة بالتواضع. ظن البعض أن هذه الصفة قد تخبو مع تزايد الأعمال وكبر الاسم وتضاعف الجماهيرية، لكن المفاجأة أن علاقة طردية ربطتها بالتواضع: كلما سطع نجمها، ابتعدت عن التعالي الزائف وخاصمت التكبر. من يسمعها تتحدث عن تجربتها يخاله ممثلة مبتدئة في أول المشوار، في الوقت الذي تتضخم فيه الأنا عند فنانات لا رصيد لهن سوى ملاحقة الترند أو أعمال باهتة سرعان ما يلفها النسيان.
طموح لا يعرف الركود
منى زكي كتلة من طموح لا تهدأ، تتطلع دوماً للتغيير وتحقيق أهداف بعيدة، ولديها رغبة كبيرة في التجريب وتقديم أشكال مختلفة وأنماط متعددة وأدوار متباينة. ليست مجرد ممثلة تقف أمام الكاميرا يومياً، بل تنتمي إلى القلة التي تمتلك عمق الموهبة وروح التقمص وبراعة التجسيد. تملك الكاريزما الطاغية، فإذا كان الممثل التقليدي يتحرك ويجتهد لتلتقطه العدسة، فإن الممثل العبقري يجذب الكاميرا إليه ويدفعها لاكتشاف تعابيره والتقاط انفعالاته بفضل ثباته وحضوره.
في ليلة افتتاح الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، والبحر الأحمر يلمع خلف المسرح كمرآة سوداء، صعدت منى زكي لتتسلم جائزة الإنجاز الإبداعي عن جدارة بعد مشوار يشار إليه ببنان التميز والاختلاف.
من الكوميديا إلى العاصفة.. رحلة تحولات
لفهم مشوار منى زكي، لا ينبغي عد أفلامها، بل عد النساء اللواتي سكنّها. بدأت شابة مع محمد صبحي في سن مبكرة، وانطلقت كفراشة خفيفة في “صعيدي في الجامعة الأمريكية”، ثم تقافزت نحو “الحب الأول”، فامتلكت قدرة على التأثير المبكر: ضحكتها جعلت جيلاً كاملاً يضحك معها. ظن الجميع أنها ستظل أسيرة خفة الظل، لكنها، بدهاء التجربة، “ملت فجأة من نفسها بسهولة”، وهي العبارة المفتاحية التي قالتها لمجلة “Variety” بصراحة نادرة، والتي تصلح منهجاً للتنوع الجميل في مدارس التمثيل. الملل عندها ليس ترفاً، بل محرك عبقري دفعها من أحضان الكوميديا الآمنة إلى قلب العاصفة بحثاً عن التجديد، ومقاومة التيار بقوة وهي تدخل عين الإعصار.
صراعها مع الشخصيات ممتد من “جيهان” في “أيام السادات” إلى “سهر الليالي” حيث اكتشف الناس وجه الحزن الجميل، إلى “عن العشق والهوى”، وصولاً إلى “احكي يا شهرزاد” حيث خلعت جلد النجمة ولبست رداء امرأة تُنتهك كل ليلة وتعود لتروي الحكايات. تكريم الجونة لمنى زكي هو في حقيقته تكريم لفكرة أن الفن ليس أن يسمع الناس صوتك فقط، بل أن يصبح لمشاعرك صوت يُعمق الوجود، ويعبر المدى، ويثير التساؤلات، ويترك الأثر والصدى.
من عرف أن المستحيل وهم، بلغ المجد وحقق الحلم.






