الغريب: قراءة في تحولات المعنى من التصور الكوني إلى التكليف الشخصي

شارك
الغريب: قراءة في تحولات المعنى من التصور الكوني إلى التكليف الشخصي

المعنى الكوني والمعنى الشخصي: ثنائية التكليف في مشروع جهيمان

في المقال السابق، تم التوقف عند اتساع نطاق الأسئلة التي يطرحها الكتاب. أما الآن، فالدخول إلى جوهر الإضافة النفسية التي يقدمها: كيف ترتبط الأفكار بحاجة صاحبها إلى المعنى، وكيف تعيد هذه الحاجة تنظيم علاقته بالعالم؟

تكمن قوة الدراسة في تتبعها ما يصنعه جهيمان بأفكاره، وما تصنعه أفكاره به، حتى يتحول تفسيره للوجود إلى تكليف يحدد خياراته، ويمنحها في وعيه ضرورة تتجاوز حياته الشخصية لتشمل مصير الجماعة والعالم بأسره.

يفتح الفصل الخامس هذا المسار بالتمييز بين المعنى الكوني والمعنى الشخصي. فالمعنى الكوني يتصل بالتصور الذي ينتظم فيه العالم، بينما يرتبط المعنى الشخصي بالمهمة التي يمنح بها الإنسان وجوده موقعًا داخل ذلك التصور. وتتيح قراءة لطيفة الشعلان رؤية خطورة اتصال هذين المعنيين عندما يعتقد الفرد أن انتظام العالم على الحق يتطلب منه فعلًا بعينه. عندها يصبح الاعتراض على هذا الفعل تهديدًا للمعنى الذي يعرف به نفسه، وتضيق المسافة بين اقتناعه بالفكرة وشعوره بأنه مختار لتحقيقها.

التأويل كأداة لتوزيع المواقع وتحديد الهوية

تقرأ المؤلفة مفهوم “ملة إبراهيم” في تصور جهيمان بوصفها المعنى الكوني الذي ينتظم فيه مشروعه. وتتتبع ما يستخرجه من فهمه الخاص لهذا المفهوم من مفاصلة وبراءة ومقاطعة، وما يبنيه على ذلك من استحقاقات للهجرة والصدام. وتكمن قيمة هذا التتبع في كشفه كيف يصبح التأويل طريقة لتوزيع المواقع: يمنح الذات مكانًا بين أهل الحق، ويحدد الآخرين من خارج هذا المكان، ثم يرتب على الحدود التي رسمها واجبات عملية. وهكذا يغدو التصور الذي يطمئنه إلى هويته أساسًا لاتساع غربته عن مجتمعه.

ويتجلى أثر هذا البناء في ملاحظة المؤلفة استدعاء جهيان لمسميي فارس والروم لتأويل القوى المعاصرة، متجاوزًا الخصوصية التاريخية لتلك الكيانات. من هذه الملاحظة يمكن فهم كيف يسبق التأويل الواقعة إلى تحديد معناها؛ إذ تجد القوى الجديدة أسماءها وأدوارها معدة مسبقًا قبل النظر في ظروفها. ويصبح الحاضر شاهدًا على صحة التصور الذي أُخضع له، وكلما اتسعت قدرة الفكرة على استيعاب الوقائع بهذه الطريقة، ضاق المجال الذي تستطيع فيه الوقائع تصحيح الفكرة.

الاستغراق الوجودي في مرويات النهاية: من الانتظار إلى الإنفاذ

من أدق تمييزات الكتاب الفصل بين الاهتمام بمرويات آخر الزمان والاستغراق الوجودي فيها. فقد يقرأ الإنسان هذه المرويات وتظل حياته موزعة بين أعمال وعلاقات وآمال متعددة، وقد تصبح النهاية المرتقبة مركزًا يستمد منه معنى أيامه جميعًا. في الحالة التي تدرسها المؤلفة، تتكاثف الصلات بين الوقائع والنبوءة، وتغدو التحولات الاجتماعية والسياسية والطبيعية علامات داخل تفسير يعد صاحبه بفهم الماضي والحاضر والمستقبل.

هذا التمييز بالغ الأهمية لأنه ينقل النظر إلى مقدار ما تستولي عليه الفكرة من حياة صاحبها. فحين تجيبه عن هويته وغربته وخصومه ومصيره، يصبح التراجع عنها امتحانًا لبناء كامل من المعنى. ومن هنا يُستخلص أن قوة التعلق قد تتصل بما يخشى الإنسان فقده إذا راجع اعتقاده: مكانته داخل الجماعة، وتفسيره لتاريخه، والمهمة التي ينتظر أن تبرر وجوده. فتزداد حاجته إلى تصديق الفكرة كلما ازدادت حياته اعتمادًا عليها.

وفي هذا السياق، تفسر لطيفة الشعلان المعنى الشخصي لدى جهيمان بإرادة تعجيل الأشراط، مستندة إلى رسالته “الفتن وأخبار المهدي والدجال ونزول عيسى”، وعنايته بترتيب الأحداث وتنزيلها على الواقع. وهنا يبلغ اتصال المعنيين ذروته؛ فالتصور الكوني يمنح الأحداث ترتيبًا، والدور الشخصي يمنح صاحبه مهمة داخل هذا الترتيب. وتكشف القراءة انتقاله من انتظار ما سيقع إلى محاولة صنع الشروط التي يتصور أن وقوعه يتطلبها.

كلفة المراجعة: بين انصهار الجماعة وقلق الفناء

يزداد عمق الصورة حين تصل المؤلفة بين المعنى والعزلة والانصهار. ففي تحليلها ثلاثة مستويات متداخلة: انصهار الهوية داخل الجماعة، وانصهار إرادة الأعضاء في إرادة القائد، وانصهار مصير القائد في النبوءة المهدوية. فتمنح الجماعة أفرادها مأوى من اغترابهم، ويغدو القائد مستودعًا لإراداتهم، ثم يستمد هو موقعه من الانتساب إلى مصير يتصوره مقدسًا. وتكشف هذه المستويات كيف يتوزع الارتهان داخل البناء الجماعي، وكيف تتصل خسارة الاستقلال الشخصي بوعد الخلاص.

من هذا التركيب يُستخلص أن كلفة المراجعة تتعاظم حين تهدد روابط الإنسان كلها في آن واحد؛ فالشك في التأويل قد يصبح شكًا في القائد، وفي الجماعة، وفي سنوات عاشها صاحبها على وعد. وهنا تتضح أهمية الفروق بين من انسحبوا ومن استمروا؛ إذ يفتح اختلاف المصائر سؤال المساحة التي احتفظ بها كل فرد لنفسه، وقدرته على استعادة إرادته حين تعارضت مقتضيات الانتماء مع ما يراه أو يخشاه.

ويضيف بحث قلق الفناء إلى هذه الصورة احتمال انهيار اليقين الذي انتظم به الوجود، فتتصل خشية النهاية بخشية بطلان المعنى، وتغدو مراجعة التصور مواجهة مع السؤال عما يبقى من الحياة إذا سقط تفسيرها. وبهذا تتضافر أسئلة المعنى والعزلة والفناء في البناء الذي تقدمه المؤلفة، ويكتسب كل منها دلالته من علاقته بالآخر، ومن تفاعله مع السياقات والنصوص والاختيارات.

تستحق هذه القدرة التفسيرية الاحتفاء؛ فهي تمنحنا أدوات لفهم الطريق الذي تكتسب فيه الفكرة سلطة على صاحبها، وتفتح أمامنا أسئلة وقائية عن صون استقلال الإنسان داخل انتمائه، وإبقاء المراجعة ممكنة مهما رسخ الاعتقاد. وفي هذا تكمن دلالة عميقة لقراءة “الغريب”: أن تتسع مصادر المعنى في حياة الإنسان، وأن تبقى له صلة بالعالم يستطيع معها أن يعيد النظر، وأن يجد لحياته قيمة تستحق أن تعاش، ومستقبلًا يستحق أن يبنى.

أعجبك الخبر؟ شاركه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *