عندما يتحكم الآخرون بنا عن بُعد: لحظة استعادة المفتاح والنضج الحقيقي

شارك
عندما يتحكم الآخرون بنا عن بُعد: لحظة استعادة المفتاح والنضج الحقيقي

مع مرور الزمن أو في لحظات فاصلة من مسيرة الفرد، يدرك المرء أن هناك من يوجه أفكاره ومشاعره وسلوكياته عن بُعد، كما لو كان جهاز تحكم عن بعد في أيديهم. هذا الجهاز الافتراضي تعمل به معتقداتهم وقناعاتهم، أي قاعدة البيانات التي يمتلكونها. هذا النوع من العلاقات تقوده العاطفة أكثر من العقل أو المنطق. مع افتراض حسن النية المطلق، فهم لا يتعمدون الإيذاء، بل على العكس، يقصدون الإحسان، لأنهم يعتمدون في توجيه الطرف الآخر على عواطفهم، انطلاقًا من حبهم له، مما يمنحهم شعورًا بالحق في السيطرة على عقله وقلبه، عبر تحديد مسار أفكاره ومشاعره. وفي المقابل، يكون المتلقي لهذه الإشارات خاضعًا بإرادته — وليس خضوعًا قسريًا — بدرجة عالية جدًا، فيتحرك وفقًا لقناعاتهم، وغالبًا ما يكون خارج دائرة المنطق، أو على الأقل خارج دائرة الاقتناع الشخصي، لكن برؤية مشوشة أو بسبب عدم اكتمال تكوين شخصيته بعد.

لحظة الوعي والتحرر من السيطرة

في مرحلة معينة من حياة الإنسان، لابد أن يفتح عينيه، فيرى مصادر أخرى للنور، ويرى النور نفسه من أي مكان ومن أي شخص في العالم. وإذا توقف أمام هذا الاكتشاف، فلن يتردد لحظة في التخلص من سيطرة هؤلاء الأشخاص، ومغادرة مساحتهم، والتوقف عن استقبال إشارات جهاز التحكم الذي يديرون به حياته. لكنه لا ينتهج الإساءة في القول، لأننا متفقون مبدئيًا على افتراض حسن النية، فيحتفظ بلحظات الود والحب، ويبقي خيوط التواصل ممدودة.

النضج الحقيقي واستعادة الذات

هذا المستوى يمثل أعلى درجات النضج الحقيقي، في البحث عن صواب الرأي بغض النظر عن مصدره، وعن قاعدة البيانات التي كان مقتنعًا بها وينطلق منها. هذا الشخص يشبه إلى حد كبير صندوقًا أغلقه بنفسه بالمفتاح، ثم سلم المفتاح لشخص آخر، وأعطاه صلاحية فتح الصندوق وإيداع ما يشاء فيه، ثم يعود ليغلقه ويأخذ المفتاح إلى أجل غير مسمى. وفي لحظة من اللحظات، لحظة وعي، يقرر استعادة المفتاح، وفتح هذا الصندوق الذي يمثل شخصيته، ويفتح أبوابه على مصراعيها، ويقرر أن تكون له أفكاره الخاصة ومشاعره الخاصة وقاعدة بياناته الخاصة به وبرحلته، وحده وبنور بصيرته.

أعجبك الخبر؟ شاركه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *