لا يُحتسب وزن المنصب القيادي بحجم المعاملات التي يُنهيها شاغله، ولا بمدى انغماسه في الشؤون اليومية، بل يُقاس بمدى قدرته على رسم المسار، وترتيب الأولويات، وتحسين الأداء، وتمكين العاملين من بلوغ الأهداف المنشودة.
جوهر القيادة الحقيقية
غير أن بعض القيادات العليا، ومَن يليها في السلم الإداري، تنشغل بمهام تنفيذية روتينية يمكن إنجازها في مستويات أدنى؛ فتتابع المعاملات، وتدقق الخطابات، وتتدخل في جزئيات الإجراءات، وقد تؤدي أعمالاً يفترض أن يقوم بها المسؤول المختص. وقد يبدو هذا في ظاهره حرصاً ومتابعة، لكنه حين يتحول إلى ممارسة يومية يثير سؤالاً جوهرياً: إذا استغرقت القيادة في تنفيذ الأعمال، فمن يخطط ويطور ويستشرف المستقبل؟ ومن يعالج الأسباب المؤسسية التي تجعل تدخل القائد ضرورياً في كل صغيرة وكبيرة؟
مشكلة الانشغال بالتفاصيل
فالترقي في السلم الإداري يفترض أن يرافقه تحول في طبيعة الدور؛ إذ تتراجع مساحة التنفيذ المباشر، وتتسع مسؤوليات التخطيط والتطوير وصنع القرار والتمكين والمساءلة. القائد ليس موظفاً تنفيذياً أعلى، بل هو مسؤول عن قيادة منظومة تنفيذية متكاملة. وهنا يبرز الفرق بين تنفيذ العمل وقيادة التنفيذ؛ فالقائد لا ينفصل عن التنفيذ، لكنه يحدد الأولويات، ويوزع الصلاحيات والمسؤوليات، ويوفر الموارد، ويزيل العوائق، ويتابع النتائج، ويتدخل عندما تستدعي الحاجة قراراً يتجاوز صلاحيات المستويات التنفيذية.
وانشغال القيادات بالتفاصيل لا يستهلك وقتها فحسب، بل قد يضعف البناء المؤسسي، ويرسخ المركزية والبيروقراطية، ويؤخر القرارات، ويحد من المبادرة وتحمل المسؤولية. والأخطر أن تصبح المؤسسة معتمدة على أشخاص أكثر من اعتمادها على أنظمة وإجراءات وصلاحيات واضحة.
التفويض وبناء المؤسسات
وتظهر الإشكالية أيضاً في كثرة الاجتماعات التي تُعقد دون أهداف واضحة أو موضوعات محددة تتطلب قراراً، وقد تنتهي بنقاشات وتوصيات عامة دون قرارات تنفيذية تحدد المسؤوليات والمواعيد وآليات المتابعة. فالاجتماع ليس إنجازاً بذاته، وإنما وسيلة لصنع القرار ومعالجة المشكلات وتحقيق النتائج.
وحين يتكرر تدخل القائد لإنجاز أعمال المستويات الأدنى، فإن السؤال الأهم ليس: كيف أنجزت المهمة؟ بل لماذا تعذر إنجازها في مستواها المختص؟ هل الخلل في الصلاحيات، أم الكفاءات، أم الإجراءات، أم الهيكل التنظيمي؟ فالقيادة الفاعلة تعالج أسباب التعثر، لا أعراضه المتكررة.
ومن هنا، ينبغي أن تراجع المؤسسات كيفية توزيع وقت قياداتها بين التخطيط والتطوير وبناء القدرات وتحليل الأداء، وبين المعاملات والتفاصيل التشغيلية التي يمكن تفويضها. فالتفويض ليس تخلياً عن المسؤولية، وإنما إسنادها إلى مستواها المناسب، مع وضوح الصلاحيات والمتابعة والمساءلة.
قياس النجاح القيادي
إن المؤسسات لا تحتاج إلى قيادات تنجز أعمال الآخرين، بقدر حاجتها إلى قيادات تجعل الجميع قادرين على أداء مسؤولياتهم بكفاءة. والنجاح القيادي الحقيقي هو أن تبني منظومة تستمر في العمل والتميز حتى في غياب قائدها.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل قائد على نفسه: هل أقود المؤسسة نحو مستقبلها، أم أصبحت أكثر موظفيها انشغالاً بتفاصيل يومها؟ القيادات.. من تنفيذ الأعمال إلى قيادة التنفيذ.






