تفتقر المجتمعات والصداقات والدول وسائر العلاقات الإنسانية والسياسية إلى الحكمة، أو بتعبير أدق إلى من يمتلكونها. فكثيراً ما أنقذت كلمة حكيمة علاقة من الانهيار، وأفسد رأي متعصب مودة دامت طويلاً، وتحول مجلس كان بدايته حواراً إلى خصومة لأن أحدهم سعى للانتصار لرأيه ولو على حساب الحقيقة.
الحكمة في القرآن الكريم
عند التأمل في مفهوم الحكمة، يزداد الإنسان إجلالاً لعظمة القرآن الكريم الذي أرشد البشرية إلى ما يصلح حياتها ويهذب حواراتها ويحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه.
وتوقف الكاتب عند الآية الكريمة في سورة البقرة: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). ويشير إلى أن هذه الآية تبرز منزلة عظيمة للحكمة، فهي تمثل رجاحة في العقل، وبصيرة ثاقبة، وإصابة في الحق، وقدرة على تقدير عواقب الأقوال والأفعال.
الحاجة إلى الحكمة في العلاقات
يشدد الكاتب على الحاجة الماسة إلى الحكماء في المجالس والأسر والصداقات ومواقع المسؤولية، خصوصاً في الأوقات التي يتحول فيها الحوار إلى ساحة يتنافس فيها البعض لإثبات تفوقهم بدلاً من السعي للوصول إلى الحقيقة.
وإذا كانت الحكمة ضرورية في إدارة العلاقات بين الأفراد، فهي أشد ضرورة في إدارة شؤون الدول وعلاقاتها الدولية. فالقرار الحكيم قد يجنب أمة بأكملها ويلات الصراع، في حين أن الموقف المتعجل قد يدفع شعوباً بأكملها ثمن غياب الحكمة ورجاحة العقل.
ويبدي الكاتب أسفه تجاه أولئك الذين لا يحتملون رأياً يخالف آراءهم، فيصادرون حق الآخرين في التعبير، ويرفعون أصواتهم، ويقاطعون المتحدث، وقد ينتقلون من مناقشة الفكرة إلى التجريح في شخص صاحبها، وكأن الاختلاف معهم جريمة تستوجب العقاب.
والأكثر إيلاماً أن بعضهم يخلط بين قوة الشخصية والتسلط، وبين الثقة بالنفس والغرور، وبين الدفاع عن الرأي والتعصب له، فلا يعترف بخطأ ولا يقبل تصحيحاً ولا يرى في الحوار إلا منتصراً ومهزوماً. وقد يصل بعضهم إلى اعتبار التصرف بحكمة تنازلاً وضعفاً واستسلاماً.
خسارة من يتخلون عن الحكمة
ويحذر الكاتب من أن هؤلاء قد يخسرون من القلوب والتمكين أكثر مما يكسبون من المواقف، ويهدمون بكلمة متعالية ما بنته سنوات من المودة والاحترام.
أما الحكيم فلا يحتاج إلى الصراخ ليُسمع، ولا إلى إهانة الآخرين ليثبت صواب رأيه، لأنه يدرك أن احترام العقول لا يقل أهمية عن احترام الأشخاص، وأن الرجوع إلى الحق فضيلة لا هزيمة، وأن السلامة مطلب.
ويؤكد الكاتب أن ليس كل متعلم حكيماً، ولا كل بليغ راجح الرأي، فكم من صاحب علم أفسدته المكابرة، وكم من بسيط التعليم رفعته الحكمة إلى منزلة رفيعة في قلوب الناس.
الدروس المستفادة من القرآن
ويذكر الكاتب أن الله تعالى أمر نبيه موسى وأخاه هارون -عليهما السلام- بمخاطبة فرعون بقوله: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى). فإذا كان اللين مأموراً به في خطاب فرعون، فكيف يمكن تبرير القسوة والتعالي في حواراتنا مع أهلنا وأصدقائنا؟
ويخلص الكاتب إلى أن مجتمعاتنا لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى عقول راجحة وقلوب واسعة تدرك أن الاختلاف لا يفسد الود، وأن الاعتذار شجاعة، وأن التراجع عن الخطأ انتصار للحقيقة.
ويختم بالقول: ما أفقر الإنسان حين يملك لساناً يجيد الجدل ويفتقد عقلاً يحسن الحكمة، وما أعظم من يغادر الناس مجلسه وقد حفظ كراماتهم وجمع قلوبهم وأصلح ذات بينهم. فالحكمة لا تتمثل في الانتصار في كل حوار، بل في معرفة متى يكمن الانتصار الحقيقي في إنصاف الآخرين، ومتى يكون الصمت أكثر بلاغة من الكلام.
واختتم الكاتب بدعاء: اللهم زد بلادنا عزاً ومجداً ونصراً، وزدنا بها عشقاً وفخراً وولاءً. ومن يؤت الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً.






