في هذا المقال وقفة مع امرأتين مختلفتين: الأولى عربية توفيت قبل أكثر من خمسين عاماً، والثانية أمريكية ما تزال على قيد الحياة. وأبدأ بالحاضرة قبل الراحلة.
محامية أمريكية تفسر سورة البقرة
بعد متابعة مقاطع فيديو نشرتها المحامية الأمريكية جيسيكا مكدونالد على تيك توك، عادت إلى ذهني عبارة رواها لي سيدي العم القاضي عبد الله حسن الجفري: من استقضى تفقه، أي أن من اشتغل بالقضاء صار فقيهاً. جيسيكا أمريكية مسيحية من العرق الأبيض، تقيم في ولاية تكساس، ويبدو أنها تجاوزت الخمسين من العمر، ولها نحو ثلاثين عاماً في العمل القانوني. وما بين القضاء والقانون علاقة وثيقة تصنعها الثقافة العالية، وما لفت انتباهي أنها تتحدث عن سورة البقرة؛ إذ تنتقي آيات منها وتفسرها ارتجالاً من غير الاستعانة بكتاب، ولو اطلع على هذا الشرح الشيخ محمد متولي الشعراوي أو الدكتور مصطفى محمود -رحمهما الله- أو الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر، لسُرّوا به لما فيه من دقة في إيضاح معاني الآيات الكريمة.
وقالت إنها سمعت في سني الصبا والشباب أن المسلمين يسعون إلى قتل المسيحيين، فقررت أن تقرأ القرآن بنفسها، واكتشفت أن هذه المقولة غير صحيحة. ثم تناولت آيات الأمر بالقتال في سورة البقرة وشرحتها شرحاً وافياً يريح قلب أي مسلم. وفي مقطع آخر تحدثت عن حق اليتيم في السورة نفسها، مشيرة إلى أنه لا يكفي إنصافه، بل ينبغي أن يُعامل بوصفه أخاً لمن يتولى كفالته. وفي مقطع ثالث تناولت حق الأرملة في البقاء ببيتها الذي كانت تعيش فيه بعزة وكرامة، ليس فقط أربعة أشهر وعشرة أيام وهي عدة الحداد، بل سنة كاملة إن رغبت في ذلك. وأكدت جيسيكا أنها ما زالت على المسيحية، وعقدت مقارنة بين آيات قرآنية ونصوص من الكتاب المقدس عند المسيحيين، فخلصت إلى وجود تقارب بينهما.
امرأة عربية تمنع قريبها من الإسلام
أما المرأة المقابلة فهي مسيحية كذلك، ويروي الشيخ محمد نجيب المطيعي أنها اكتشفت أن أحد أقاربها كان على وشك اعتناق الإسلام، فصدرت عنها عبارة غريبة: “ما يصحش تسلم. فأغلب المسلمين دينهم اهتمام بالنظافة فقط”. وكم هو شاسع الفرق بين جيسيكا الأمريكية وتلك السيدة العربية المجهولة الاسم والمدينة؛ فالأولى تخلصت من التعصب، والثانية تشبثت به.
النظافة في الفقه الإسلامي
والنظافة جزء من الإيمان، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: “الطهور شطر الإيمان”. وبمراجعة كتاب المهذب في الفقه الشافعي، تبيّن أن عدد صفحاته يتجاوز 700 صفحة، وأن قسم الطهارة، الذي يشمل أنواع المياه والاستنجاء والوضوء والغسل من الجنابة وما يتصل بها من شروط ضرورية للقاء الله الحي القيوم في الصلاة، يبلغ نحو ستين صفحة، أي ما يقل عن 10% من مجموع الكتاب.
وتبقى الحقيقة: إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء. نقيضان.






