الأمانة عهدٌ يُصان.. لا مظهرٌ يُرى

شارك
الأمانة عهدٌ يُصان.. لا مظهرٌ يُرى

كان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يردد: «لا تغرنّكم طنطنة الرجل بالليل»، ويقصد بذلك صلاته وقيامه، فإن الرجل — كل الرجل — هو من أدّى الأمانة إلى من ائتمنه، وسلِم المسلمون من لسانه ويده.

فالعبرة ليست بما يُظهره الإنسان من صلاح، ولا بما يقطعه من وعود، بل العبرة بمواقفه حين توضع الأموال بين يديه، وتُعلَّق الآمال على صدقه ووفائه.

ثقة تتحول إلى خيبة

كم من رجل وثق به الناس، وائتمنوه على أموالهم، وشاركوه في مشروع استثماري، مدفوعين بما أظهره من ثقة بالنفس، وما قطعه من عهود والتزامات. ثم إذا جُمعت الأموال وتحقق له ما يريد، تبدّلت الأحوال، وبدأت المماطلة، وتوالت الوعود، وأصبح الوفاء بالحقوق موعداً يتأجل، والتزامات لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

حين يدفع المساهمون ثمن الثقة

والمؤلم أن المساهمين لم يضعوا أموالهم في المشروع وحده، بل وضعوا ثقتهم في الرجل الذي تولى إدارته، واطمأنوا إلى كلمته، وربما بنوا خططهم والتزاماتهم المالية على ما وعدهم به. فإذا به يخذل تلك الثقة، ويتركهم يواجهون القلق والخسائر المحتملة، دون وضوح في الموقف أو التزام بموعد محدد.

التعثر ليس مبرراً للمماطلة

إن تعثر المشاريع أمر قد يحدث، والخسارة في الاستثمار احتمال لا يمكن استبعاده، لكن ما لا ينبغي قبوله هو تحويل التعثر إلى ذريعة للمماطلة المستمرة، أو اتخاذ الوعود المتكررة وسيلة لتأجيل الحقوق دون مصارحة صادقة، أو خطة واضحة للسداد.

فالفرق كبير بين رجل تعثر فصارح شركاءه، وبذل جهده للوفاء بحقوقهم، ورجل يعد ثم يخلف، ويؤجل ثم يماطل، ويترك أصحاب الأموال أسرى الانتظار.

الثقة رأس المال الحقيقي

إن رأس مال الإنسان الحقيقي ليس ما يجمعه من أموال، بل ما يبنيه من ثقة وسمعة طيبة. فالمال قد يُعوّض، والمشاريع قد تنجح أو تفشل. أما الثقة إذا انكسرت، فقد يصعب ترميمها، والسمعة إذا تضررت، فلن تنقذها كثرة الوعود ولا حسن الكلام.

ومن يجمع أموال الناس لمشروع استثماري، عليه أن يدرك أن المسؤولية لا تنتهي عند استلام المساهمات، بل تبدأ منها؛ مسؤولية تفرض عليه الوضوح، والشفافية، واحترام العقود، وأداء الحقوق إلى أصحابها، وعدم تركهم رهائن للمواعيد المتكررة.

فالرجولة ليست أن تقنع الناس بتسليمك أموالهم، وإنما أن تثبت جدارتك بالثقة حين تصبح حقوقهم في عهدتك. والأمانة ليست وعداً يُقال، بل حقٌّ يُؤدّى، وعهدٌ يُصان، ومسؤولية لا تسقط بالمماطلة.

أعجبك الخبر؟ شاركه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *