الاستخبارات الشعبية: حين يصبح المواطن جزءًا من منظومة الرصد والتحليل

شارك
الاستخبارات الشعبية: حين يصبح المواطن جزءًا من منظومة الرصد والتحليل

وسط المواجهة مع ميليشيا الحوثي، ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي السعودية ممارسات لافتة، تمثلت في اعتماد بعض المستخدمين على خرائط قوقل والصور الفضائية المفتوحة لتحليل المنشورات المتعلقة بمواقع وأنشطة الميليشيا. وقد أثارت هذه الممارسات تساؤلًا يتعدى الملف اليمني: هل نحن أمام نشوء نمط جديد من الاستخبارات، تتحول فيه المجتمعات نفسها إلى جزء من منظومة الرصد والتحليل، بدافع وطني ومن دون تكليف رسمي أو مقابل مالي؟

من تاريخ الاستخبارات إلى عصر الهواتف الذكية

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة أولًا إلى تاريخ الاستخبارات، ثم إلى التحولات التي أحدثتها التقنية في العلاقة بين الدولة والمجتمع. وهذه الظاهرة ليست وليدة السنوات الأخيرة من حيث المبدأ. ففي الحرب العالمية الثانية، أنشأت الولايات المتحدة مكتب الخدمات الإستراتيجية، الذي ضم قسمًا متخصصًا في تحليل المعلومات المنشورة في الصحف والمجلات والإذاعات الأجنبية.

وكان محللوه يستخرجون من مواد متاحة للجمهور معطيات قد تكتسي أهمية استخباراتية كبيرة. فالمعلومة كانت في المتناول، لكن قيمتها الفعلية كانت ترتبط بقدرة المحلل على قراءتها وربطها بمعطيات أخرى. ومع حلول شبكة الإنترنت والهواتف الذكية، اتخذ هذا النشاط أبعادًا لم تكن معروفة من قبل. فقد أصبح بمقدور ملايين الأشخاص المساهمة في جمع المعلومات والتحقق منها، كما ظهرت مؤسسات مستقلة مثل «بيلينغكات» أسهمت في تطوير التحقيقات المعتمدة على المصادر المفتوحة.

وخلال الحرب الروسية الأوكرانية، بلغت هذه الظاهرة مرحلة أكثر تقدمًا، إذ تحول المواطنون إلى عناصر فاعلة في شبكات واسعة لتبادل المعلومات. وفي هذا السياق، وصف مسؤول استخباراتي بريطاني التحول الحاصل بأن الهاتف المحمول صار أداة استشعار، وأن إسهام المواطنين ضاعف قدرة المؤسسات على رسم صورة أشمل للأحداث. ومن هنا يمكن التفريق بين مفهومين متقاربين: أولهما الاستخبارات مفتوحة المصدر، وهي التي تستند إلى المعلومات المتاحة للعموم؛ وثانيهما الاستخبارات الشعبية، وهو مصطلح أقترح استخدامه لوصف المشاركة التطوعية الواسعة من جانب المواطنين في جمع المعلومات وتحليلها والتحقق منها، بدوافع وطنية أو مجتمعية. فالمفهوم الأول يصف مصدر المعلومات ومنهج التعامل معها، في حين يصف الثاني طبيعة المشاركين والدوافع التي تحركهم.

المشهد السعودي: فرص وضوابط

أما في الحالة السعودية، فإن لهذه الظاهرة أهمية خاصة. فالتجارب المرتبطة بالرصد الرقمي للأحداث في اليمن أظهرت أن الخرائط المفتوحة والصور الفضائية باتت أدوات فعالة للتحقق من الروايات المنتشرة. وتوثيقات منشورة سجلت استخدام صور «قوقل إيرث» وخرائط «قوقل» في مراجعة ادعاءات لها صلة بالحوثيين، ومن بينها تحقيقات تناولت تحركات في مدينة المخا، وأخرى ركزت على مواقع شاحنات الوقود في محافظة الجوف.

أما المنشورات التي يُنسب إلى مستخدمين سعوديين كشف مواقع حوثية عبر خرائط قوقل، فهي جديرة بالتوثيق والدراسة باعتبارها ممارسة محتملة للاستخبارات الشعبية، على أن يُفرَّق بين المعلومات التي خضعت للتحقق وبين الإحداثيات والاستنتاجات المتداولة على منصات التواصل. فمجرد تداول صورة أو خريطة لا يثبت دقة الاستنتاج المستخلص منها، ولا سيما في النزاعات المسلحة حيث تختلط المعلومات الصحيحة بالتضليل الإعلامي.

ومن اللافت أن القيمة الاقتصادية لهذه المشاركة قد تكون كبيرة إذا ما قورنت بتكلفتها المباشرة. فالمواطن لا يحتاج إلى قمر صناعي أو مركز استخبارات ليتمكن من الإسهام في التحقق من معلومة منشورة. وقد يكفيه هاتفه الشخصي واتصاله بالإنترنت ومعرفته بالجغرافيا والتاريخ المحليين للوصول إلى نتائج مفيدة. غير أن تدني كلفة الوصول إلى المعلومة لا يلغي الحاجة إلى تحقق مهني منها، ولا يعني أنها تصلح من تلقاء نفسها لاتخاذ قرارات أمنية أو عسكرية.

وهنا تبرز ميزة إضافية لا تقل أهمية عن التقنية ذاتها، وهي الحافز الوطني. فالمؤسسات قادرة على شراء البرمجيات والمعدات والاستعانة بخبراء، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تصنع الانتماء الذي يدفع الفرد إلى بذل وقته وجهده في خدمة المصلحة العامة من دون انتظار مقابل. وعندما يقترن هذا الانتماء بالوعي الرقمي والقدرة على التفكير النقدي، تتولد طاقة مجتمعية قادرة على حماية المجال المعلوماتي الوطني، وكشف الأخبار المضللة، ورفع الوعي بالتهديدات. غير أن تحويل هذه الظاهرة إلى قيمة مؤسسية يستلزم ضوابط واضحة.

مواطنة معلوماتية لا تجسس فردي

والاستخبارات الشعبية ليست دعوة إلى تجسس فردي، أو مطاردة أشخاص، أو كشف مواقع حساسة، كما لا يجوز أن تتحول الحماسة الوطنية إلى مصدر لمعلومات غير دقيقة أو اتهامات تفتقر إلى أدلة. وتبقى مسؤولية التحقق من المعلومات الأمنية، وتقييم درجة حساسيتها، والتصرف بناءً عليها، من اختصاص الجهات المخولة نظامًا.

أرى أن الفرصة الحقيقية تتمثل في تطوير مفهوم «المواطنة المعلوماتية»، وهو مفهوم يجعل المواطن شريكًا في حماية المجال الرقمي من التضليل، ويعزز قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية، ويوجه مساهماته نحو القنوات الرسمية المناسبة. ويمكن للجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات التعليمية أن تحتضن تطوير مهارات التحقق من المصادر المفتوحة، مع التركيز على الاستخدامات المدنية والبحثية والإنسانية.

ما نشهده اليوم ليس اختراعًا جديدًا للاستخبارات، بل تحولًا في بنيتها الاجتماعية. فقد كانت المعلومة الاستخباراتية تنتقل في معظم الأحوال من مصادر محدودة إلى مؤسسة مركزية تتولى تحليلها. أما اليوم، فقد صار المجتمع نفسه قادرًا على إنتاج كم هائل من المعلومات والتحليلات، وهو ما يفرض على المؤسسات تطوير قدرتها على الاستفادة من هذه الإسهامات من دون التفريط في الدقة أو المسؤولية القانونية.

أعجبك الخبر؟ شاركه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *