ليست كل أنواع التفكير طريقًا إلى الحكمة؛ فبعضها يمنح الإنسان قدرة على الفهم وحسن الاختيار، وبعضها الآخر يستنزف طاقته ويجعله مقيدًا بأحداث مضت ومواقف لم يعد بالإمكان تغييرها. هذا النمط الثاني يُعرف بالاجترار العقلي، وهو دوران متواصل حول الأفكار والمواقف والمشاعر ذاتها، من دون أن يصل صاحبه إلى نتيجة حقيقية أو حل ملموس.
حين يتحول التفكير من وسيلة للفهم إلى عبء نفسي
وتظهر خطورة هذه الحالة في أن الشخص لا يكتفي باستدعاء الموقف، بل يعيد تركيب تفاصيله في ذهنه مرات ومرات، ويسأل نفسه عمّا كان يجدر به قوله أو فعله، ويلتمس تفسيرًا لكل كلمة وكل تصرف. ومع تعاقب الأيام، ينتقل التفكير من أداة للفهم إلى حمل نفسي ثقيل، ينتزع من صاحبه حاضره ويُثقل مستقبله، فينشغل عقله بما جرى أكثر من انشغاله بما يستطيع إنجازه الآن.
أسباب متشابكة: الخوف من الخطأ والرغبة في السيطرة
وجدير بالذكر أن أسباب الاجترار العقلي متعددة، فهي تتراوح بين الخوف من تكرار الأخطاء، والرغبة المفرطة في الإحاطة بالنتائج والتحكم فيها، وعدم تقبّل القرارات التي اتُخذت سابقًا، والخوف مما هو مجهول. وقد يرتبط هذا النمط أيضًا بالحاجة إلى الكمال، أو بصعوبة التعبير عن المشاعر، أو بالمرور بتجارب خلّفت أسئلة معلقة بلا إجابات. وفي بعض الحالات، يحسب الفرد أن تكرار التفكير سيمنحه سيطرة على الأمر، في حين أنه في الواقع يعيد إنتاج القلق ذاته.
الوعي بالفارق بين التفكير المنتج والدوران العقيم
وربما يبدأ تجاوز هذه الحالة بالوعي بالفارق بين التفكير الذي ينتهي إلى قرار، والاجترار الذي يعيد الأسئلة نفسها من دون أي تقدم. ويحتاج الفرد إلى تقبّل أن الماضي لا يقبل التعديل، وأن ليس كل سؤال يستحق إجابة، وليس كل موقف يحتاج إلى تحليل. ومن المفيد أن يخصص وقتًا قصيرًا للتفكير والكتابة، ثم يحوّل انتباهه إلى نشاط واقعي، وأن يمارس الرياضة، وينظّم نومه، ويتعلم تقنيات الاسترخاء واليقظة الذهنية. أما إذا صار الاجترار مستمرًا وأخذ يؤثر في الحياة اليومية وجودتها، فإن ذلك ينعكس سلبًا على الفرد.
قوة العقل في معرفة متى يتوقف
ومما لا شك فيه أن قوة العقل لا تُقاس بقدرته على استحضار كل التفاصيل، بل بقدرته على إدراك اللحظة التي ينبغي أن يتوقف فيها عن الدوران في دائرة مغلقة؛ فالنضج النفسي لا يعني أن نجد تفسيرًا لكل ما حدث، بل أن نتصالح مع بعض الأسئلة التي لن نحصل لها على إجابة، وأن نمنح الحاضر حقه في الحياة. فالعقل إنما خُلق ليكون أداة تدفع إلى التقدم والتطور والنمو، وهذا التطور والنماء يتحقق باستمرارية الفرد وحرصه على بلوغ أهدافه وتجاوز التحديات، لا بتوقفه عند نقطة واحدة.






