من تصنيع الكبتاجون إلى شريك أمني إقليمي: تحول سوريا بعد سقوط نظام الأسد

29/06/2026 07:00

لم يقتصر الدمار الناتج عن الصراع في سوريا على حرق المدن وحده، بل امتد إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتوفير ساحة حرة لاقتصاد الجريمة المنظمة. خلال سنوات الحرب، تحولت البلاد إلى مركز بارز لإنتاج المخدرات وتهريبها، وأصبح اسمها مرتبطاً في كثير من التقارير الأمنية بشبكات مخدرات عابرة للحدود، متجاوزاً دورها التاريخي في المنطقة.

إرث الحرب وتحديات الدولة الجديدة

عند سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر، وجدت الحكومة المتعاقبة نفسها أمام ميراث ثقيل لا يقتصر على الدمار الاقتصادي أو المؤسسي، بل يشمل منظومة متكاملة لتصنيع المخدرات، تهريبها، تمويلها وحمايتها. لذا لم يكن السؤال الوحيد هو كيفية إعادة بناء الدولة، بل ما إذا كان بإمكان سوريا أن تتحول من دولة ارتبط اسمها بأحد أخطر اقتصادات الجريمة المنظمة إلى شريك فعّال في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي.

إطلاق الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات

في خطوة تتجاوز الطقوس الرسمية، أعلن الرئيس أحمد الشرع، قبل يومين، عن بدء الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات ومعالجة الإدمان. لم تقتصر هذه المبادرة على وزارة الداخلية، بل شاركت فيها وزارة الصحة وحضور ممثلين عن منظمات دولية وسفراء ودبلوماسيين. جاءت الرسالة واضحة: مكافحة المخدرات لم تعد ملفاً جنائياً بحتاً، بل أصبحت عنصراً أساسياً في استعادة الثقة مع الجوار العربي وشركاء سوريا الدوليين.

إنجازات أولية في تفكيك بنية المخدرات

منذ سقوط النظام السابق، لم تقتصر الإجراءات على ملاحقة مهربي الشحنات، بل استهدفت البنية الكاملة لاقتصاد المخدرات. وأعلنت إدارة مكافحة المخدرات خلال الحملة عن تفكيك سبعة عشر مصنعاً لتصنيع الكبتاجون، وإغلاق عشرين مستودعاً للمواد الأولية، وتفكيك تسعين شبكة تهريب. كما تم ضبط ما يقرب من سبعمائة مليون حبة كبتاجون، ومئتي وإحدى وعشرين طناً من المواد الأولية، بالإضافة إلى خمس عشرة طناً من الحشيش، وثمانين كيلوجراماً من الكريستال، وثمانية عشر كيلوجراماً من الكوكايين، وسبعة كيلوجرامات من الهيروين وعشرة ملايين حبة من الأدوية المخدرة.

تحول استراتيجي إلى شراكة إقليمية

لم تقتصر الجهود على داخل الحدود السورية؛ فقد اختارت دمشق نهج التعاون الأمني مع دول الجوار والدول العربية. نفذت عشر عمليات مشتركة خلال الربع الأول من عام 2026، وزادت مشاركتها في اجتماعات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وعززت قنوات تبادل المعلومات الأمنية مع شركائها. هذه الخطوات تعكس إيمان الحكومة بأن الثقة الإقليمية لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بقدرة الدولة على حماية الحدود، وتجفيف منابع التهريب، وملاحقة الشبكات العابرة.

تتضمن الرؤية الجديدة ثلاثة مسارات متكاملة: إنفاذ القانون، الوقاية المجتمعية، والعلاج وإعادة التأهيل. فقد بدأت وزارة الصحة، بالتعاون مع شركاء دوليين، في وضع منظومة علاجية موحدة تشمل توحيد البروتوكولات، برنامج تدريب الكوادر، إنشاء مجلس للصحة النفسية والإدمان، وتطوير مراكز علاجية. أطلقت مبادرة “بوابات التعافي” عبر ثلاثة عشر مركزاً مجتمعياً، بالإضافة إلى خطوط ساخنة للدعم النفسي والاستشارات.

على الرغم من هذه الإنجازات، لا يزال التحدي كبيراً؛ فالشبكات التي نشأت خلال سنوات الفوضى تمتلك موارد مالية ولوجستية واسعة، وتستفيد من أساليب تهريب متطورة مثل الطائرات المسيّرة وطرق إخفاء معقدة. لذا تؤكد دمشق أن المرحلة القادمة ستركز على تحديث البنية التقنية، تعزيز الاستخبارات الجنائية، توسيع التعاون مع الإنتربول والمنظمات الدولية، وتكثيف عمليات متعددة الأطراف.

في الختام، لا يمكن اعتبار ما يحدث الآن مجرد حرب على المخدرات، بل هو اختبار حاسم لإعادة سوريا إلى مصاف الدول التي تسهم في الأمن الإقليمي والدولي. إذا نجحت هذه التحولات في ترسيخها على صعيد مؤسسي، فإنها ستعيد رسم دور سوريا في المعادلة الأمنية الإقليمية والعالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *