سيرورة احتجاجات 2026 في سوريا: بين توقعات الشعب وتحديات الحكومة الانتقالية

تُظهر السجلات المعاصرة لتاريخ سوريا أن ما يحدث الآن ليس استثناءً غير مسبوق. إذ تتقاطع خريطة المظاهرات التي انتشرت عام 2026 مع أوجه الانقسام التقليدية التي غذت الصراع السياسي في البلاد طوال قرن من الزمن، متضمنةً التوتر بين السلطة المركزية ومناطقها، والضغوط الاقتصادية، والصراع بين المجتمع المدني المهني وهيمنة الدولة، فضلاً عن صعوبة موازنة تحرير الاقتصاد مع استقرار المشهد السياسي.

تحديات الحكومة الانتقالية

تواجه الحكومة التي تأسست حديثًا مجموعة من القضايا المتزامنة، منها إدارة الشؤون المالية، والتعامل مع أحزاب انتخابية متنافسة، وتعزيز سلطة الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها من الصفر. وتأتي هذه المسؤوليات في وقت تُقدر فيه تكلفة إعادة إعمار ما بعد الحرب نحو 216 مليار دولار، وهو عبء ثقيل حتى على دولة تتمتع بقدرات إدارية وموارد واسعة.

طبيعة الاحتجاجات وتوقعاتها

إن الاحتجاجات الحالية لا تُعدّ مفاجأة، بل هي نتيجة متوقعة لفترة انتقالية معقدة عقب الحرب، تتعارض مع طموحات جمهور كان يترقب تحسّنًا ملموسًا بعد سقوط نظام بشار الأسد بفترة وجيزة. وقد أبرز هذا السخط نقاط ضعف هيكلية في نظام الحكم السوري قد تشكّل، على المدى المتوسط، خطرًا أكبر على الاستقرار من الاحتجاجات نفسها.

من هو المتظاهر؟

الموجة الحالية لا تمثل حركة معارضة منظمة ولا حملة يقودها مؤيدو النظام السابق لتقويض سلطة الحكومة الجديدة، ولا تدل على انزلاق سوريا نحو الانهيار. بل هي تعبير عن نشاط مجتمعي ورغبة في مساءلة السلطة عبر أحد القنوات القليلة المتاحة، ألا وهي المظاهرات العامة. تشكل الغالبية العظمى من المتظاهرين شريحة من المجتمع السوري السني، وتتنوع بين سائقين يرفعون علم الثورة مع احتجاجهم على الضرائب الجمركية، ومزارعين في الرقة يُنظمون اعتصامات تحت اسم «سنابل الكرامة» يطالبون بالاعتراف بدورهم في الأمن الغذائي، وممرضات يطالبن بالمساواة في الأجور مع أطبائهن. هؤلاء لا يعارضون النظام الانتقالي بل يعتبرون أنفسهم جزءًا أساسيًا من نجاحه، وبالتالي يطالبون بتمثيل أوسع في عملية اتخاذ القرار ومكاسب ملموسة تعكس تطلعاتهم.

استجابة الحكومة وإمكانية التآكل التدريجي

في الوقت الحالي، تتعامل الحكومة مع هذه المظاهرات بنهج أكثر تسامحًا، وتظهر في بعض الحالات استعدادًا لتقديم تنازلات أو الاستجابة لبعض المطالب. يُنظر إلى هذا السلوك على أنه تحول نوعي مقارنةً بأسلوب دمشق في التعامل مع الاحتجاجات خلال العقود الخمسة الماضية، رغم أن هذا المستوى لا يزال دون المستوى المطلوب. الخطر الحقيقي المستقبلي لا يكمن في انهيار مفاجئ أو انقسام حاد، بل في تآكل تدريجي للسلطة. إذا سُري هذا السيناريو، قد تجد الحكومة نفسها غير قادرة على تحقيق تحسين اقتصادي واضح، مع ميول متزايدة نحو تركيز السلطة، ما سيصعب عملية تصحيح المسار ويجعل الاستجابة لكل أزمة حالة استثنائية، مما قد يؤدي إلى تآكل القاعدة الشعبية وتراجع صبر الجمهور.

*معهد واشنطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *