وداع القلم: حوار بين أدوات الكتابة القديمة

11/06/2026 07:02

القلم وورقة الحزن

تقول ورقة: أشعر بالحزن الشديد على رحيل يا أخي القلم، كم من مرة زرتني وسطرت بحب على صفحتي، كم مرة سجلت التاريخ ورسمت الجغرافيا ودونت العلم في داخلي، خُذلت من قبل من خانوا بعد أن أنتجت لهم مليارات من الكلمات والقصائد والأنغام، أنا كما أنت أنتظر نهايتي بعد أن سيطرت الشاشات والأقراص على مكاني، وأوشك أن lose مهنتي لأن أجزاءهم الملعونة تستخف بعقلي وتتهم ذاكرتي بالضيق، أكره أزرارهم المزعجة وأوامرهم الصوتية البغيضة، أي زمن هذا الذي لم يعد أحد يكتب بيده؟

الممحاة والذاكرة المفقودة

تقول ممحاة: يصفونني بأنني مصنوعة من المطاط متجاهلين مشاعري وضعفي، أنا على يقين أن قبري سيجاور قبرك قريبًا يا قلمي الحبيب، كم مرة طلبت أن أمحو ما سطرته أنت بغرض التعديل والدقة والصواب، لم أشعر بالاستياء مرة ولم أتثاقل عن تلبية نداء الواجب معك، وفي كل مرة يتحول جزء من جسدي إلى فتات يتساقط كالغبار في الهواء، وبعد كل تلك التضحيات حلت مكاني زر يزيل أسرع ويُنظف mejor مني، نتيجة لذلك أنا وشقيقاتي تتراكم على الرفوف وتغطينا طبقة سميكة من الغبار، بعد رحلتك يا رفيق أصبحت ممتلئة ولا يتقلص حجمي، لست سعيدة ولا أستطيع تحمل هذه الحياة.

المسطرة والفرجار الغائب

تقول مسطرة: الرحمة والمغفرة لك يا صديقي العزيز، لن أنساك وأؤمن أن روحك لن تنساني، كيف ننسى الخطوط الطولية والعرضية التي سطرناها معًا وصنعنا بها المعجزات، كنت تداعبني عندما يلامس طرف جسدي حافتي في كل لحظة، وشعرت بالغيرة الشديدة عندما استبدلتني بابن عمك الفرجار لرسم الدوائر التي لا أستطيع أنا رسمها، وأين هو الفرجار الآن! لم يحضر جنازتك رغم صلة القرابة التي تجمعه بك، أخبروني أنك مت بسبب المرض وقلة الرعاية لكنني لم أصدق ذلك، لقد مت حزنًا بعد أن عزلناك البشر بأقصى ظلم، توقفوا عن الإمساك بك فتيبس الرصاص وتجلط الحبر في عروقك أيها الضعيف، أما أنا فلم يغفروا لي استقامتي في شبابي عندهم، ولم يراعوا انحناء ظهري وانحناء قدمي في شيخوختي، تلك هي الحقيقة المرة يا رفيق الدرب.

المبراة والتضحية الصامتة

تقول مبراة: أشعر بالصدمة لرحيلك يا قلم، وأحاسيس الانكسار وخيبة الأمل تملأني بسبب ما سمعته للتو، لكن هناك شيء صادم لم يذكره أحد، كان القلم يسعى لمراعاة أذواق وأمزجة ورغبات البشر عبر نوع غريب من إنكار الذات، وعندما يسمع انتقادهم ويلاحظ امتعاضهم يأتي إلي باكيًا يضع رأسه الواسع تحت سني الحادة، يبقى هكذا حتى تصبح خطوطه رفيعة وواضحة، قبل الرحيل كان يمسك بأجزاءه ويقبّلها في مشهد لن أنساه ما حييت، أما أنا فقد تكون حالتي الآن أقل ألمًا منكم، هل تعرفون السبب؟ بعد رحيل القلم ربما تستمر النساء في استخدامي لتقليم أقلام المكياج وتوفر لي مأوى في حقائبهن وأدراجهن، هيا لنكمل مراسم الدفن يا صديقاتي….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *