في عام 1927 نشرت عالمة النفس الألمانية بلوما زايغارنيك دراسة بعنوان “On Finished and Unfinished Tasks” تناولت فيها الفروقات بين تذكر المهام التي أُنجزت وتلك التي توقفت قبل إكمالها. كان محور بحثها سؤالًا أساسيًا حول العلاقة بين حالة الذاكرة عندما يُعطل نشاط ما أو يُستكمل.
منهجية التجربة
قامت زايغارنيك بإجراء سلسلة من الاختبارات على أكثر من مئتين وخمسين مشاركًا شملوا طلابًا، معلمين، أطفالًا، وبالغين. طُلب من كل منهم إنجاز مجموعة من الأنشطة المتنوعة مثل حل الألغاز، إجراء حسابات رياضية، تنفيذ أعمال يدوية، تجميع صناديق كرتونية، وتشكيل نماذج. بعد بدء كل مهمة، توقفت زايغارنيك بعضها مقصودًا قبل أن تُستكمل.
نتائج البحث
عند انتهاء التجربة، طُلب من المشاركين استرجاع المهام التي نفّذوها. أظهرت النتائج أن الأعمال غير المكتملة بقيت أكثر حضورًا في الذاكرة مقارنةً بالمهام المكتملة، إذ كان معدل تذكرها يقارب الضعف. وفسّرت زايغارنيك هذا الاختلاف بوجود توتر نفسي داخلي ينشأ مع كل مهمة جديدة؛ يقل هذا التوتر عند إكمال المهمة، بينما يبقى مستمرًا إذا توقفت قبل النهاية.
العوامل المؤثرة
أوضحت الباحثة أن الأشخاص الذين يولون اهتمامًا كبيرًا لما يقومون به يتأثرون بصورة أوضح بالمهام غير المكتملة مقارنةً بالذين لا يولون لهذه الأنشطة اهتمامًا. كما لوحظ أن الأطفال يظهرون حساسية أعلى من الفئات الأخرى. إضافة إلى ذلك، وجدت أن المهمة المكتملة قد تظل «غير مكتملة» في ذهن المشارك إذا شعر بأنها لم تُنجز بالشكل الكافي، ما يجعل الذاكرة تحتفظ بها كما لو كانت معلقة.
تطبيقات عملية
يعكس هذا الظاهرة ما يلاحظه الناس في مواقف يومية، مثل انتظار رد على رسالة أُرسلت لشخص مهم. وقد أشار الفنان سلامة العبدالله إلى هذا الإحساس في أغنيته: «أرسلت لك يا عزوتي كم مرسول… وأبطى جوابك يا حبيبي عليه». كما يظهر مبدأ زايغارنيك في إجراءات التحقيقات القانونية والإنضباط الوظيفي، حيث تُلزم القوانين بإبلاغ المتهم أو الموظف بموعد الاستدعاء وسبب التحقيق لتجنب تركه في حالة من الغموض.
مثلاً، تنص الفقرة الأولى من المادة 101 في نظام الإجراءات الجزائية على ضرورة تدوين البيانات الشخصية للمتهم وإبلاغه بالتهمة عند حضوره الأول للتحقيق. وتؤكد المادة 116 أن كل من يُقبض عليه أو يُوقف يجب أن يُعلَم فورًا بأسباب ذلك. كذلك، تنص المادة 75 من اللائحة التنفيذية لنفس النظام على وجوب إبلاغ الشخص المستدعى قبل 24 ساعة من موعد التحقيق، ما لم تستدعي الضرورة استعجالاً.
في سياق الانضباط الوظيفي، تُلزم المادة الخامسة من اللائحة التنفيذية لنظام الانضباط الوظيفي اللجنة باستدعاء الموظف وإبلاغه رئيسه المباشر، مع تحديد زمان ومكان التحقيق وتوضيح المخالفة المنسوبة إليه. تُظهر هذه النصوص أن صانعي القوانين يدركون تأثير عدم الوضوح على الأشخاص، ويسعون لتقليل التوتر الناتج عن المهام غير المكتملة.
وبهذا، يصبح من الواضح أن ترك سؤال أو طلب دون إجابة يُثري ذهن المتلقي بأفكار مستمرة، وهو ما يُستغل في عناوين مثل “ابتكلم معك!” لتوليد انتباه القارئ، لكنه قد يخلق أيضًا حالة من القلق إذا لم يُستكمل الوضوح. لذا، فإن إكمال المعلومات وتوضيحها يعد مفتاحًا لتقليل التوتر النفسي الذي يخلّفه ما يُترك غير مكتمل.





