الملك سلمان في ذكرى البيعة.. من قارئ التاريخ إلى صانع المستقبل

14/09/2026 11:05

بعد مرور أكثر من عقد على اللحظة التي تسلم فيها الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم، يبدو استرجاع تلك الذكرى بالعين ذاتها التي التقطت تفاصيلها يومها أمراً صعباً. ففي يناير 2015، كانت الصورة الذهنية عنه مشدودة إلى إرث تاريخي طويل؛ فهو الأمير الذي قضى سنوات طويلة في إمارة الرياض وعاش تحولها من بلدة صغيرة إلى عاصمة مزدهرة، وهو الرجل المعروف بولهه بالوثائق والمخطوطات والرواية الشفوية، وراعي دارة الملك عبدالعزيز التي كلفها بصون ذاكرة الدولة منذ نشأتها.

كثيرون اعتقدوا أن هذا الولع بالماضي ينبئ بمرحلة تحافظ على الموروث أكثر مما تغيّره. لكن السنوات التالية كشفت أن القراءة كانت مغايرة تماماً.

من حفظ الذاكرة إلى قيادة التحول

فمنذ الشهور الأولى للحكم، بدأت ملامح الدولة تتغير؛ إذ أعيد هيكلة مجالس الحكم واللجان الاقتصادية، وانتقلت ولاية العهد إلى جيل جديد، ثم جاء إطلاق رؤية 2030 ليقدم ولأول مرة تصوراً شاملاً لمجتمع حيوي واقتصاد لا يعتمد على النفط. وتلتها تحولات طالت تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين؛ من تمكين المرأة السعودية، إلى الانفتاح على العالم، مروراً بإصلاحات في القضاء وبيئة الأعمال، وهو ما غيّر المسار ووضع البلاد على أعتاب نهضة جديدة.

إن قائداً شغفه الماضي استطاع أن يدفع عجلة الدولة نحو أسرع وتيرة تغيير في تاريخها الحديث؛ مشهد يستحق التوقف أمامه أكثر من مجرد وصفه بالمفارقة. فالأمر هنا علاقة سببية واضحة، لم يلتفت إليها معظم المحللين.

معرفة التاريخ.. والتمييز بين الجوهري والعابر

معرفة التاريخ شيء، والبقاء في أروقته شيء آخر مختلف. فالملك الذي اطلع على تفاصيل نشأة الدولة وتكوّن مؤسساتها وملابسات قراراتها في كل مرحلة، يمتلك قدرة نادرة على التفريق بين ما هو جوهري في هوية الدولة، وما كان مجرد ترتيبات فرضتها ظروف زمنية، وبالتالي فهي قابلة للتعديل أو التحسين. وهذا التمييز هو ما يحتاجه أي قائد يسعى إلى تغيير حقيقي لا يمس الهوية، ولا يظل أسير الصور التقليدية. فكلما كانت الصلة بالماضي واضحة ومفهومة، أمكن التقدم إلى الأمام بثقة أكبر.

الرياض والدرعية.. نموذج حي للجمع بين الأصالة والنهضة

وتقدم الرياض نموذجاً عملياً لفهم هذه الفكرة؛ فالمدينة التي شهد تحولها من قرية صغيرة إلى عاصمة إقليمية كبرى، احتفظت بذاكرتها في قلب أحيائها الحديثة. الدرعية بقيت حاضرة، بل تم ترميمها واستثمارها ثقافياً واقتصادياً، بوصفها مهد الدولة السعودية الأولى ومصدر هوية معمارية فريدة أعيد توظيفها في مشاريع عمرانية جديدة. وهذا يؤكد أن النمو المتسارع يمكن أن يراعي أصالة المدينة دون أن يقطع جذورها.

وينطبق الأمر نفسه على مسار توثيق الأرشيف الوطني، الذي ظل واحداً من اهتمامات الملك سلمان الثابتة منذ عقود قبل توليه الحكم. فجمع الوثائق والمخطوطات وتسجيل الروايات الشفهية لم يكن نشاطاً أكاديمياً هامشياً، بل جزءاً من مشروع عميق لبناء ذاكرة موثوقة؛ تمنع إعادة كتابة التاريخ وفقاً لمصالح اللحظة، وتمنح الأجيال القادمة مرجعاً تعود إليه كلما احتاجت إلى اكتشاف تاريخها.

وهذا هو المفتاح الذي يجعل عهد الملك سلمان جسراً بين الماضي بوصفه جزءاً من الهوية، والمستقبل بوصفه استحقاقاً للوطن وأجياله القادمة؛ مسألة تستحق التأمل.

ففي عقل الدولة السعودية، الحكم الرشيد لا تصنعه الشعارات، بل معرفة متراكمة بالمجتمع وتاريخه والثوابت التي قام عليها، بحيث يتضح ما يمكن تعديله وما لا ينبغي المساس به.

وربما يكون هذا أقرب تفسير لقدرة المجتمع السعودي على استيعاب تحولات بهذا الحجم والسرعة دون أن يشعر بالانقطاع عن نفسه. لقد قاد الملك سلمان مرحلة التحولات بطريقة أنضجت التفكير الجمعي على مستوياته كافة؛ وهي عملية دقيقة ونادرة في تاريخ السعوديين.

وفي ذكرى البيعة هذا العام، يبدو من المهم النظر إلى ما تحقق خلال أكثر من عقد من الزمن بوصفه اختباراً لهذه الفكرة.

فالأمير الذي قرأ تاريخ البلاد، وحفظ أسماء القبائل والأماكن ووثائق الدولتين الأولى والثانية، أصبح الملك الذي يعرف الطريق ويكتب فصلاً جديداً في التاريخ السعودي الممتد على مدى ثلاثة قرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *