الرياض لأول مرة ضمن أكبر 100 تجمع ابتكاري عالمياً: 419 صفقة رأس مال جريء و162 براءة اختراع

دخول النادي العالمي للابتكار

عندما تضم القائمة العالمية لأكبر مئة تجمع ابتكاري العاصمة الرياض للمرة الأولى، فإن ذلك لا يقتصر على إضافة مرتبة دولية جديدة فحسب، بل يطرح تساؤلاً اقتصادياً جوهرياً حول كيفية انتقال المدينة من مرحلة جذب رؤوس الأموال إلى بناء بيئة قادرة على إنتاج المعرفة وتوطينها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية. فقد حلت الرياض في المركز 92 عالمياً ضمن تصنيف التجمعات الابتكارية لعام 2026 الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO).

التصنيف لا يعتمد على حجم الاقتصاد أو ضخامة المشروعات فقط، بل يرصد كثافة النشاط الابتكاري من خلال ثلاثة محاور رئيسة: طلبات براءات الاختراع الدولية (PCT)، والمنشورات العلمية، وصفقات رأس المال الجريء. وهذه العناصر تكشف قدرة المدينة على بناء منظومة تربط بين إنتاج المعرفة وتحويلها إلى ابتكارات وشركات ومنتجات تصل إلى الأسواق.

419 صفقة مخاطرة.. رأس المال الجريء يقود التحول

تسجيل الرياض 419 صفقة لرأس المال الجريء في منظومة الابتكار يحمل دلالة تتجاوز الرقم نفسه. فرأس المال الجريء بطبيعته يتجه إلى المشروعات والأفكار ذات المخاطر المرتفعة وإمكانات النمو الكبيرة؛ وبالتالي فإن اتساع نشاطه يعني وجود بيئة تتزايد فيها الفرص القابلة للتحول إلى شركات ومنتجات وأسواق.

وهنا تبرز إحدى حلقات التحول المهمة في الاقتصاد المعرفي: الفكرة وحدها لا تكفي، والتمويل وحده لا يصنع الابتكار؛ بل تنشأ القيمة عندما يلتقي الباحث بالمستثمر، ورائد الأعمال بالسوق. وهذا ما يجعل نمو رأس المال الجريء أكثر من مجرد مؤشر تمويلي؛ فهو أحد الجسور القادرة على نقل المعرفة من المختبرات والجامعات إلى الاقتصاد الحقيقي.

162 طلب براءة كأصل اقتصادي

بالتوازي مع حركة رأس المال، سجلت منظومة الرياض 162 طلباً دولياً لبراءات الاختراع، وهو مؤشر آخر على التحول الجاري في بنية الاقتصاد المعرفي. فبراءة الاختراع ليست مجرد وثيقة قانونية تحفظ حق صاحب الفكرة، بل يمكن أن تصبح أصلاً معرفياً واقتصادياً قابلاً للاستثمار والترخيص والتطوير، وقد تكون نقطة البداية لمنتج جديد أو شركة ناشئة أو صناعة كاملة.

وتظهر هنا ملامح منظومة بدأت حلقاتها تتصل ببعضها؛ ففي الجانب البحثي برزت جامعة الملك سعود، وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وجامعة الأمير سلطان، بينما برز في النشاط الصناعي والابتكاري حضور سابك وأرامكو. وتكشف بيانات WIPO بصورة أكثر تحديداً عن تصدر جامعة الملك سعود للنشر العلمي داخل تجمع الرياض، وتصدر شركة SABIC Global Technologies في طلبات براءات الاختراع الدولية (PCT). وهذه العلاقة بين الجامعة والشركة والمستثمر والسوق هي، في جوهرها، ما يصنع التجمعات الابتكارية الكبرى في العالم.

لماذا المركز 92 تحول مهم؟

قد يبدو المركز 92 للبعض مجرد بداية متأخرة في قائمة المئة، لكن القراءة الاقتصادية مختلفة. فالرياض تدخل هذه الدائرة العالمية للمرة الأولى، وتصبح بذلك أول تجمع ابتكاري سعودي يدخل قائمة أكبر مئة تجمع عالمي، بعد أن جاءت في عام 2025 ضمن التجمعات الواقعة خارج القائمة الأولى. والأهم أن المنافسة تجري داخل خريطة عالمية شديدة الكثافة؛ إذ يوجد 89 من أكبر مئة تجمع ابتكاري في آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا وأمريكا الشمالية. لذلك فإن دخول الرياض هذه الخريطة لا يعني الوصول إلى الغاية، بل يعني دخول ميدان المنافسة. فالانتقال إلى المرتبة 92 مهم، لكن الأكثر أهمية هو: ماذا بعد؟

من استقطاب الاستثمار إلى إنتاج المعرفة

شهدت الرياض خلال السنوات الماضية تحولاً واسعاً في مكانتها الاقتصادية؛ من توسع الاستثمارات والمشروعات الكبرى إلى استقطاب الشركات والمقار الإقليمية ورؤوس الأموال والمواهب. لكن المرحلة الأكثر عمقاً هي أن تتحول هذه الكثافة الاستثمارية نفسها إلى قدرة محلية على إنتاج المعرفة والتقنية والابتكار. وهنا يختلف اقتصاد المعرفة عن الاقتصاد الذي يعتمد فقط على استقطاب رأس المال؛ فالأخير يسأل: كم استثمرنا؟ أما اقتصاد المعرفة فيضيف سؤالاً أكثر أهمية: ماذا أنتج هذا الاستثمار من معرفة وتقنية وشركات ومنتجات جديدة؟ وهذا التحول ينسجم مع الاتجاه العام لرؤية السعودية 2030 نحو تنويع القاعدة الاقتصادية، وتعزيز البحث والتطوير والابتكار، وتنمية القطاعات المستقبلية.

مسارات نحو الخمسين

إذا كان دخول قائمة المئة يمثل بداية، فإن الطموح الطبيعي هو التقدم داخلها. وليس المقصود بالوصول إلى أفضل خمسين مستهدفاً رسمياً معلناً، وإنما أفق تنافسي يمكن أن تقيس الرياض من خلاله سرعة تطور منظومتها الابتكارية. وللوصول إلى مستويات أكثر تقدماً، ترى رؤية الكاتب أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خمسة مسارات مترابطة: أولاً: تسريع نقل التقنية (Tech Transfer) بحيث لا تبقى نتائج البحوث داخل الجامعات والمراكز البحثية، بل تتحول إلى شركات منبثقة (Spin-offs) ومنتجات وتقنيات قابلة للنمو والمنافسة. ثانياً: رفع القيمة التجارية للبراءات، فالمنافسة الحقيقية ليست في عدد البراءات وحده، بل في قدرتها على الوصول إلى السوق وصناعة قيمة اقتصادية وفتح مجالات استثمار وصناعات جديدة. ثالثاً: جذب المواهب العالمية والاحتفاظ بالمواهب الوطنية، فالمدن المبتكرة تتنافس على العقول بقدر تنافسها على رؤوس الأموال، وأصبح الباحث والمخترع ورائد الأعمال من أهم أصول الاقتصاد الحديث. رابعاً: تعميق الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص ورأس المال الجريء، بحيث تصبح العلاقة بينها مؤسسية ومستدامة، ويجد الباحث طريقاً أقصر إلى المستثمر، ويجد المستثمر تدفقاً مستمراً من التقنيات والابتكارات القابلة للتحول إلى أعمال. خامساً: قياس العائد الاقتصادي من الابتكار، فنجاح المنظومة لا ينبغي أن يقاس بعدد الأبحاث والبراءات والصفقات وحدها، بل بما تنتجه من شركات عالية النمو وتقنيات قابلة للتصدير ووظائف معرفية وإيرادات ناتجة عن الملكية الفكرية. فالانتقال الحقيقي إلى اقتصاد المعرفة يبدأ عندما تصبح المعرفة نفسها مصدراً للدخل والنمو والتنافسية.

إن المدن لا ترسخ موقعها على خريطة الابتكار بحجم ما تنفقه وحده، بل بقدرتها على تحويل رأس المال إلى معرفة، والمعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى قيمة اقتصادية مستدامة. والرياض اليوم لا تحتفي بالمرتبة 92 بوصفها نهاية الطريق، بل تبدأ منها مرحلة أكثر طموحاً؛ مرحلة لا تكتفي باستقطاب رأس المال والتقنية، بل تنتج المعرفة وتطور التقنية وتحول الابتكار إلى صناعة واقتصاد. وهنا سيكون الاختبار الحقيقي للسنوات المقبلة: ليس أن تبقى الرياض ضمن المئة، بل إلى أي مدى تستطيع التقدم داخلها؟ وكم تستطيع أن تحول من المعرفة إلى قيمة اقتصادية تُصنع في الرياض وتنافس بها العالم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *