التحول الصناعي لقطاع المياه
ليس كل الثروة تُستخرج من باطن الأرض؛ بعضها يُصنع في المصانع، ويتشكل في المختبرات، وينمو داخل العقول. وفي هذا السياق أعلنت الهيئة السعودية للمياه نقل ست فرص استثمارية إلى مرحلة التنفيذ الصناعي، باستثمارات إجمالية تبلغ 2.8 مليار ريال، تشمل إنشاء سبع مصانع.
القرار يعامل قطاع المياه ليس كخدمة أساسية فقط بل كصناعة متكاملة، يلتقط القيمة الكامنة وراء كل قطرة ماء من خلال التقنيات، والمكونات، والبرمجيات، والمعدات، والمهارات، وسلاسل التوريد، والأسواق القابلة للنمو. الدولة التي تدير المياه بعقلية صناعية لا تقتصر على إنتاجها أو نقلها، بل تصنع الأدوات التي تنتجها، وتطور الأنظمة التي raise كفاءتها، وتبني المعرفة التي تفتح أمامها أسواقًا جديدة.
الاستثمار في التوطين وتطوير الكوادر
الخطوة تدخل ضمن برنامج أوسع يضم 18 فرصة استثمارية لتوطين 18 مكوّنًا تمثل نحو 90% من المدخلات الأساسية لصناعة المياه في المملكة. وتشمل هذه الصناعات أغشية التناضح العكسي، والمواد الكيميائية الخاصة بتنظيف الأغشية، وأجهزة استعادة الطاقة، والمضخات ذات الضغط العالي، وأنظمة التحكم الموزعة، وأنظمة المراقبة وجمع البيانات. ورغم تخصصها فإنها تمثل قلب الصناعة المائية الحديثة، وتمتد تطبيقاتها إلى الطاقة، والتعدين، والزراعة، والصناعات الغذائية.
وقد ارتفع عدد الموردين في قطاع المياه من 739 موردًا عام 2022 إلى 3,441 موردًا في عام 2026، كما ارتفعت نسبة المحتوى المحلي من 45% عام 2020 إلى 68.27% خلال النصف الأول من عام 2026. وتؤكد الدراسات أن ما لا يقل عن 70% من مدخلات الإنتاج المطلوبة للمكونات المستهدفة متوفرة محليًا، ما يعزز تكامل المنظومة الصناعية ويمنح المستثمرين وضوحًا أكبر في مسارات النمو.
وتتضمن الاتفاقيات هدفًا ألا تقل نسبة الوظائف التخصصية عن 70% من القوى العاملة في المشاريع، ما يضع المهندس والفني والباحث السعودي في قلب الدورة الصناعية. وهذا يعني أن التوطين لا يقتصر على نقل خطوط الإنتاج، بل يشمل نقل المعرفة، وتطوير المنتجات، وتحسين الأداء، وصناعة أجيال قادرة على قيادة قطاع مائي ينافس عالميًا.
الآفاق الاقتصادية والسوقية
تشير التقديرات إلى أن الفرص الست التي دخلت مرحلة التنفيذ ستسهم بنحو 4.36 مليار ريال في الناتج المحلي حتى عام 2033، وتوفر 3,090 وظيفة هندسية وفنية مباشرة وغير مباشرة. كما يُتوقع أن تسهم المنتجات المحلية في خفض تكلفة المكونات المستهدفة بنسبة تتراوح بين 20% و30%، مع تصدير ما بين 20% و50% من الإنتاج بحسب طبيعة كل منتج وحجم الطلب الخارجي.
ويُظهر السوق بعدًا إضافيًا: فالطلب المحلي التراكمي على الفرص الـ18 يتجاوز 15 مليار ريال حتى عام 2033، بينما يقدّر الطلب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 65 مليار ريال. وهذا يعكس أن السعودية لا تبني صناعة لخدمة احتياجاتها فقط، بل تصمم منذ البداية منصة إقليمية للتقنيات المائية، تستفيد من موقع المملكة، وقدراتها اللوجستية، وشراكاتها الدولية، وخبرتها المتراكمة في إدارة المياه وتحليتها.
وقد بدأت النتائج تظهر بوضوح؛ إذ حققت المملكة الاكتفاء الذاتي في أغشية التناضح العكسي المنتجة محلياً، وصدّرتها إلى 27 دولة. كما يُتوقع أن يورد مصنع أجهزة استعادة الطاقة في الدمام ثلث عملاء الشركة حول العالم ابتداءً من الربع الأول من عام 2027، فيما تبدأ 4 مصانع تابعة لشركة إيطالية الإنتاج في عام 2028، بينها أكبر مجمع صناعي للشركة خارج إيطاليا.
ولذلك حظي المسار السعودي بأصداء في مؤسسات ومنصات مرموقة حول العالم، من بينها الأمم المتحدة و«أراب نيوز» و«فاستكومباني الشرق الأوسط»، التي رأت في التجربة انتقالًا من استهلاك تقنيات المياه إلى تصنيعها وتطويرها وتصديرها. وهذه هي خلاصة المشهد: صناعة القرار السعودي لا تنتظر أن تصبح القطاعات الجديدة واضحة للجميع، بل تتقدم إليها مبكرًا، وتمنحها البنية والطلب والتمويل والكوادر، ثم تحولها إلى ميزة وطنية. إن السعودية لا تبني مصانع للماء فقط؛ إنها تبني اقتصادًا جديدًا حول الماء، وتثبت أن الرؤية الذكية هي التي ترى في القطاع الحيوي مجالًا للصناعة، وفي الصناعة مجالًا للمعرفة، وفي المعرفة فرصة لقيادة الأسواق.





