المشهد السياسي البريطاني يتجه إلى التعددية وتراجع ثنائية العمال‑المحافظين، وسويسرا تنقسم حول مبادرة سقف سكاني جديد

تشهد المملكة المتحدة تحولاً سريعاً في خريطة السلطة يضعف الهيمنة التقليدية لحزب العمال وحزب المحافظين، ويقود إلى ظهور مشهد سياسي أكثر تنوعاً وتشتتاً. تجلّى هذا التحول بوضوح خلال الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو، حيث تكبد حزب العمال خسائر كبيرة في عدد من المجالس المحلية، في حين حقّق حزب «ريفورم يو كيه» اليميني المناهض للهجرة انتصارات واسعة في مناطق عدة.

انقسام المجالس المحلية وتحديات حوكمة المدن

في برمنغهام، خسر حزب العمال جزءاً كبيراً من سيطرته داخل المجلس البلدي، ما أسفر عن توزيع المقاعد بين عدة أطراف دون قدرة أي منها على تشكيل أغلبية مريحة. يثير هذا التفتت مخاوف بشأن صعوبة إدارة المدينة التي تواجه أصلاً أزمات مالية حادة، بعد أن اضطرت إلى رفع الضرائب المحلية وتخفيض الخدمات العامة في محاولة للحد من أزمتها، وفق ما نقلته صحيفة «لوموند» الفرنسية.

ولم يقتصر هذا النمط على برمنغهام فقط؛ إذ تعاني عشرات السلطات المحلية في إنجلترا وويلز من مجالس منقسمة بين أحزاب متعددة. وبات المشهد السياسي يضم خمس أو ست قوى رئيسية تتنافس على أصوات الناخبين، من بينها «ريفورم يو كيه»، «الخضر»، «الديمقراطيون الأحرار»، إلى جانب «العمال» و«المحافظين».

أسباب التغيير وتداعياته على النظام الانتخابي

يعزى هذا التحول إلى تراجع الولاءات الحزبية التقليدية وتزايد فقدان الثقة بالطبقة السياسية، وهو اتجاه تعزز منذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016. أصبح الناخبون أكثر ميلاً إلى اختيار الأحزاب وفق القضايا المطروحة بدلاً من الالتزام التاريخي بحزب معين. وفي ظل هذه التطورات، تجدد النقاش حول إصلاح النظام الانتخابي البريطاني، مع تصاعد الدعوات لاعتماد آلية أكثر تمثيلاً للتعددية الحزبية التي باتت سمة بارزة في الحياة السياسية.

سويسرا تنقسم حول مبادرة «سقف سكاني» جديد

في جنيف، يستعد السويسريون في منتصف يونيو المقبل إلى التصويت على مبادرة أطلقها اليمين المتشدد، تهدف إلى وضع حد أقصى لعدد السكان عند عشرة ملايين نسمة في إطار مشروع مناهض للهجرة. تحمل المبادرة اسم «لا لسويسرا من 10 ملايين نسمة» وأصدرها حزب «اتحاد الوسط الديمقراطي» (يو دي سي)، وهو أكبر أحزاب البلاد المعروف بمواقفه المناهضة للهجرة والرغبة في تقليل التقارب مع «الاتحاد الأوروبي».

تشير التقديرات إلى أن سويسرا، التي يبلغ عدد سكانها الآن 9.1 مليون نسمة، تواجه تدفقاً مهاجراً كثيفاً يضع ضغطاً سلبياً على نموها. يبرز المشروع أن نقص المساكن، ارتفاع الإيجارات، تضاؤل المساحات الخضراء، زحمة النقل، ارتفاع معدلات الجريمة، والضغوط على النظام الصحي والتعليم هي من بين الدوافع التي يستند إليها المؤيدون. يهدف المشروع إلى حصر الهجرة عند مستوى «مقبول» بحيث لا يتجاوز عدد المقيمين الدائمين في سويسرا عتبة عشرة ملايين قبل عام 2050، في حين يتوقع المكتب الفيدرالي للإحصاءات أن يصل عدد السكان إلى 10.5 مليون في 2055.

يتضمن المشروع إجراءات تتخذها السلطات حال تجاوز عدد السكان 9.5 مليون قبل 2050، خصوصاً فيما يتعلق بسياسات اللجوء ولم شمل العائلات. وفي حال حدوث ذلك، يلزم سويسرا بعد سنتين إنهاء اتفاق حرية تنقل الأفراد مع «الاتحاد الأوروبي»، ما قد يؤدي إلى إبطال الاتفاقيات الثنائية المبرمة في 1999 و2004 التي تمنح سويسرا نفاذاً واسعاً إلى السوق الأوروبية.

الجدل السياسي والاقتصادي حول المبادرة

يتطلب اعتماد المبادرة الحصول على أكثر من 50 ٪ من الأصوات المؤيدة، فضلاً عن موافقة نصف كانتونات البلاد البالغ عددها 26. تواجه المبادرة معارضة واسعة من مختلف التيارات السياسية؛ حيث ينتقدها حزب «الخضر» باعتبارها تدبيراً معادياً للأجانب، بينما يصفها الحزب الاشتراكي السويسري «مبادرة فوضى» وحلاً سطحياً. كما ينعكس الخلاف بين الأقاليم الناطقة بالألمانية، التي تميل إلى تشديد القيود على الهجرة، وتلك الناطقة بالفرنسية التي تفضّل الحفاظ على الاتفاقات مع الاتحاد الأوروبي.

أظهرت دراسة حديثة صادرة عن جامعة جنيف أن المشروع قد يؤدي إلى تراجع اليد العاملة النشطة، ما ينعكس سلباً على الاقتصاد الوطني في ظل نقص هيكلي في القوى العاملة وتقدم السكان في السن. وفقاً للبيانات الحكومية، يمثل الأجانب المقيمون في سويسرا نحو 27.4 ٪ من مجموع السكان حتى 31 ديسمبر 2024، وقد ارتفع عدد السكان بنحو 1.7 مليون منذ إقرار حرية تنقل الأفراد في 2002، معظمها نتيجة الهجرة.

تُعتمد قطاعات عدة على العمالة الأجنبية، مثل الفنادق والمطاعم (46 ٪ من العمال الأجانب)، والبناء (34 ٪)، وإدارة العقارات (34 ٪). وقد يواجه هذا القطاع نقصاً في القوى العاملة يصعب تعويضه إذا سُنفذ المشروع. يجدر الإشارة إلى أن حزب «اتحاد الوسط الديمقراطي» سبق أن طرح مبادرات مماثلة لمنع بناء المآذن واستخدام النقاب، كما صوّت السويسريون في 2014 على مشروع يهدف إلى إعادة تطبيق حصص محددة للمهاجرين القادمين من أوروبا، مع إشارة إلى أن السلطات الفيدرالية لم تطبق المشروع وفق الأصول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *