تحليل نقدي لتأثير الخطاب الصحوي في الثقافة والأدب والمجتمع السعودي (2/2)

24/05/2026 13:01

فوبيا المفردات وصراع المصطلحات

تجاوزت ظاهرة الخوف من بعض المفردات، التي يصفها الكاتب بـ”فوبيا المفردات”، حدود الكتابات الأدبية لتصل إلى الخطابات الرسمية. فقد استُخدمت عبارة “المدعو/فلان الفلاني صاحب السجل المدني رقم…” بدلاً من “المواطن/فلان الفلاني حامل الهوية الوطنية رقم…”، وذلك لما يُرى في عبارة “الهوية الوطنية” من محاذير قد تنافس “الهوية الإسلامية” داخل ما يسميه الكاتب “الهابيتوس الصحوي”.

ومن مظاهر هذا الصراع ما شهدته أوراق هذه الجريدة من جدل بين مؤيد ومعارض لعبارة “الدولة المدنية”. كما وصلت المحظورات إلى كلمة “قانون” ذاتها، فاستُبدلت بكلمة “نظام”، رغم ما نشرته مجلة “العدل” من بحث في أحد أعدادها يخرج كلمة “قانون” من دائرة المحظور، مستشهداً باستخداماتها عند علماء أصول الفقه الأوائل.

آثار الهابيتوس الصحوي في الإنتاج الأدبي

هذا التوجه لم يغير من الهابيتوس الصحوي شيئاً، وبقيت آثاره واضحة في الإنتاج الأدبي. ويشير الكاتب إلى رواية “فراغ مكتظ” للأديب كريم الشمائل إبراهيم مضواح الألمعي، واصفاً إياها بالرواية الجميلة التي تمتاز بعنوان معبر وعميق وتفاصيل ممتدة بذكاء وخفة ظل، وقد استمتع بقراءتها في جلسة واحدة. لكنه يرى أن عيبها الوحيد يتمثل في انشغالها المكشوف بالتموضع في الوسط بين الصحوة وخصومها.

وينتقد الكاتب هذا التموضع، مشيراً إلى أن فضيلة “الوسط” لم تكن ملحوظة على كثير من تيار “الأدب الإسلامي” إبان عز الخطاب الصحوي. بل إن بعضهم، وليس الأديب إبراهيم مضواح منهم، كان يستمتع بتطاول سفهائهم على مثقفين كبار، معتبراً أن ما يسمى “الأدب الإسلامي” هو مجرد أدلجة سياسية للأدب باسم الدين، تماثل الأدلجة الماركسية الستالينية للأدب والعلوم، والتي أسهمت، ضمن أسباب أخرى، في انحطاط التجربة السوفيتية وتفككها، وأنتجت من بين ما أنتجت حقيقة الديستوبيا الحداثية الشمولية في رواية “1984”.

إشكالية الوسط الزائف بين الصحوة والحداثة

يعبر الكاتب عن حبه واحترامه للنقد الذاتي، لكنه يعلن كرهه لإعادة التموضع، حتى لو صدرت من عبدالله الغذامي نفسه في مقاله القديم “الليبرالية الموشومة”. ويسأل: هل يصح المساواة بين موقف طه حسين من محمود شاكر، وبين موقف الصحوة في مصر من فرج فودة بعد مناظرته مع محمد الغزالي ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي حول الدولة الدينية والمدنية، والتي آل أمرها إلى مقتل فودة في الشارع بتفاصيل تؤكد فجاجة وسماجة الوسطية بين المخرز والعين، مستشهداً بحادثة سكين نجيب محفوظ؟

ويوضح أنه انصرف للمشهد المصري كي لا يقلب المواجع بالمشهد الصحوي القديم الذي يحب البعض كنسه “تحت السجادة” بدلاً من أرشفته لحفظ الذاكرة متوقدة للأجيال القادمة، وترك ما سواه إلى “مزبلة التاريخ”. ويؤكد أنه يحترم المراجعات النقدية للذات، لكن “الوسط” بين الصحوة والحداثة هو وسط صنعته الصحوة وخاطته على مقاسها. فمن غير الممكن أن يكون هناك وسط بين من يحيل الدين إلى أيديولوجيا تعادي العالم، حتى عجز البعض عن الترحم على طلال مداح، وبين من يكشف هذه الأيديولوجيا التي لا تجد حرجاً في الترحم على عبدالعزيز المقرن.

ويرى الكاتب أن الحداثة تعري الخرافة، ولهذا أمضى مرزوق بن تنباك بعض عمره في نضال قد يبدو اليوم عابراً، لكنه كان جزءاً من “كعب أخيل الصحوة” حين وسع مفهوم “السحر وتلبس الجن” إلى درجة أعفت صحوياً مرتشياً برتبة قاض من عقوبة الرشوة بحجة أنه مسحور، ثم حوسب وعوقب بعد التعافي من “دجل الصحوة”.

ما قبل الهابيتوس الصحوي: تكافل اجتماعي ونخوة

يستعرض الكاتب حال المجتمع في جزيرة العرب قبل الهابيتوس الصحوي، حيث كان التكافل الاجتماعي سائداً بكل ما فيه من مروءة ونخوة وشهامة. فلم تكن هناك فنادق عند السفر للمدن، بل كانت المنازل المتواضعة المكونة من غرفة أو غرفتين وصالة ومطبخ مفتوحة لاستضافة أبناء العشائر والقبائل، يسكنونها في ضيافة الرجل وزوجته.

وحتى بعد إنشاء المستشفيات في المدن الكبيرة وقبل هابيتوس الصحوة، كان الناس يضعون مريضتهم عند ابن عمها البعيد وزوجته لتراجع العلاج حتى تتعافى من السل الرئوي وتعود لأهلها بكامل عافيتها، دون الحاجة للمحظورات التي تشدد عليها الصحوة حتى فيما يخص علاقة الأم بابنها.

ويميز الكاتب بين أساسين لبناء الأخلاق؛ الهابيتوس الصحوي يبنيها على التحوط المرضي الذي حطم الجدار الركين في السجية العربية الأصيلة، والمقصود به “نخوة العرب وشهامتهم ومروءتهم” التي تجلت في كتابات حمزة شحاته (1908-1972)، خاصة في مقاله “الرجولة عماد الخلق الفاضل”، وفي أشعارهم الشعبية مثل قصيدة الماجد النبيل: “وان شلتها يا حسين تر ما بها شين… ترى الخوي يا حسين مثل الأمانة… ما يستشك يا حسين كود الرديين.. والا ترى الطيب وسيع بطانة”. ويختتم الكاتب هذا المحور بالترحم على تلك الشهامة والنخوة والمروءة التي يرى أنها ذُبحت في نفوس بعض العرب.

ويكفي للدلالة على قوة البارادايم الذي صنعته الصحوة في الوجدان العمومي، حتى بين المثقفين، أن كلمة “حداثي” لا تزال وصمة سيئة حتى اليوم، مما يضطر الكاتب إلى التلاعب اللفظي ليفتعل فضيلة الوسط كتفكير حر. ويرى أن الاستقلال الفكري الحر يحتاج إلى شجاعة فكرية أمام الذات أولاً قبل الشجاعة أمام الآخر، وهذه الشجاعة تبدأ من “اعرف نفسك”، إما بطريقة الإمام الغزالي أو ديكارت، فكل طرق المخلصين تؤدي إلى الله. أما الشجاعة أمام الغير فلا تحتاج سوى مذاكرة الكتب والصفق في أسواق الثقافة لحصد مكاسب شعبوية، إلا من رحم ربي وقليل ما هم.

ويختم الكاتب مقاله بتعاطف مشوب بعتب المحب لمن يعيشون “وسطية العاجز الضعيف”، الذي يضع نفسه بين امرأتين، شابة تريده للمستقبل وعجوز تريده للماضي، حيث تنتف إحداهن الشعر الأبيض ليبقى شاباً، وتنتف الأخرى الشعر الأسود ليبقى عجوزاً، ثم يصرخ: “ضاعت لحانا بين حانا ومانا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *