عطاء الزفت ونهب المال العام: قصتان متناقضتان من تاريخ المجتمع السعودي

في الخامس والعشرين من شهر محرم عام 1448 هجرية، وقعت عيناي على خبر قديم أعادني إلى زمن مضى، حيث نشرت جريدة «البلاد» في صفحتها التاريخية التي تستذكر أحداثاً وقعت قبل نصف قرن، أن الشيخ إبراهيم زاهد وإخوانه قد تبرعوا بخمسين طناً من مادة الزفت لصالح بلدية جدة، مساهمين بذلك في مشروع سفلتة شوارع المدينة. وكان ذلك في الثالث من شهر جمادى الأولى عام 1384 هجرية. وقبل ذلك بأيام، وتحديداً في السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر من العام نفسه، نشرت الجريدة ذاتها – وهي أقدم صحيفة سعودية – خبراً مماثلاً مفاده أن الشيخ محمد باخشب تبرع أيضاً بخمسين طناً من الإسفلت لدعم المشروع نفسه.

تحذير من التعدي على المال العام

على الجانب الآخر من المشهد، كتب الأستاذ عزيز ضياء – رحمه الله – مقالاً نارياً في تلك الفترة نفسها، أي قبل أكثر من خمسين عاماً، نشرته صحيفة «عكاظ» تحت عنوان «مال الحكومة ليس حلالاً». وكان الأستاذ عزيز قد لاحظ أن بعض الموظفين يتعاملون مع ممتلكات الدولة باستخفاف، متذرعين بأن لهم نصيباً في هذا المال. ولو سلمنا جدلاً بصحة مقولتهم «مال الحكومة حلال»، فإن نصيب الفرد الواحد منهم لا يتجاوز جزءاً من عشرة ملايين جزء، إذا ما اعتبرنا أن عدد سكان المملكة آنذاك كان عشرة ملايين نسمة. وبالتالي، لا يحق لأي موظف التعدي على حقوق بقية الملايين العشرة.

صنفان متباينان من الناس

يبرز أمامنا صنفان متناقضان تماماً من البشر. الأول هم المتبرعون، وهم قلة – كثر الله من أمثالهم – الذين يبذلون أموالهم طواعية لخدمة مجتمعهم. أما الصنف الثاني فهم أولئك المتساهلون في أموال الحكومة، الذين يستخفون بحقوق الآخرين. وفي الزمن الغابر، كان الناس ينفقون مبالغ طائلة على الأوقاف بشكل مذهل. ففي بعض البلاد الإسلامية، وُجد وقف مخصص للفتيان الذين يرسلهم أهالهم لشراء الحليب مثلاً، فإذا سقط منهم الوعاء في الطريق وخافوا من عقاب أهلهم، كان يقال لهم: اذهبوا إلى المكان الفلاني، فهناك أوعية بديلة موقوفة لمثل هذه الحالات.

دعوة للإيثار في زمن الازدحام

في ظل الازدحام المروري الذي تعاني منه شوارعنا اليوم، وصعوبة العثور على مواقف للسيارات، خصوصاً في الليل، فإن من أعمال الخير والبر أن يتنازل مالكو العقارات عن جزء من أملاكهم لتوسعة الشوارع الضيقة، أو أن يتبرعوا بأرضيات يمكن للمغلوبين على أمرهم أن يوقفوا سياراتهم فيها. إن الإيثار هو أعلى درجات الخلق الكريم، وقد أثنى الله سبحانه على الأنصار بقوله: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة». ونحن لا ندعو إلى التبرع للبلديات كما فعل الشيخ باخشب والشيخ زاهد وإخوانه، فميزانياتها اليوم تكفيها – على الأرجح – ولكن ندعو إلى التبرع للجيران ولمن يمرون بحاراتكم، حتى ولو بشيء من الزفت. فالزفت ينفع في ردم بعض التعرجات في الشوارع.

تصويبات وقراءات

بعض قراء المقال السابق صححوا لي بأن الاسم الصحيح هو سالمين حسين، لا حسين سالم، وأن حواره كان مع عبد القادر باجمال رئيس الوزراء، لا مع الرئيس علي صالح. كما قال لي السيد علوي الحبشي إن المكروه هو المعازف لا الغناء. وقلت لصديق: إن المقال الصحفي يتمحور حول الفكرة أكثر من الصواب، وأن الصواب إذا تزوج الفكرة فذلك السمن على العسل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *