الفن بين اللغة العالمية والهوية الثقافية: توجيهات تعليمية جديدة

22/05/2026 03:01

يعتمد التعليم الفني في جوهره على أكثر من مجرد اكتساب مهارات تقنية مثل الإخراج أو الموسيقى أو التصميم أو التمثيل؛ فهذه المهارات وحدها لا تضمن تجربة فنية ذات تأثير. ما يميز الجامعات الحقيقية هو تنمية القدرة على التفكير وتكوين رؤية فنية ترتبط بالإنسان والمجتمع والتاريخ.

دور الفنان كصانع للمعنى

الفنان لا يُقصد به مجرد مستخدم متمرس للأدوات، بل هو صاحب موقف ورؤية قادر على إنتاج أعمال تترك أثراً ثقافياً وفكرياً يتجاوز اللحظة العابرة. ومن هذا المنطلق تظل اللغة عنصراً أساسياً في تكوين الفنان، إذ يرتبط الفن بالذاكرة والبيئة اليومية والخيال الجمعي للمجتمع.

اللغة والهوية في التعليم الفني

صحيح أن اللغة الإنجليزية أصبحت اللغة الرائدة في المراجع الحديثة والتقنيات والصناعات الإبداعية العالمية، إلا أن التعبير الفني العميق غالباً ما ينطلق من اللغة التي يفكر بها الإنسان ويعيش تفاصيله من خلالها. لهذا السبب لا تزال العديد من الدول تحافظ على لغاتها الوطنية في تدريس الفنون والآداب، مدركةً أن اللغة ليست مجرد وسيلة تعليمية بل جزء لا يتجزأ من تشكيل الهوية الثقافية.

مخاطر الانفصال اللغوي والثقافي

عند فصل التعليم الفني عن السياق اللغوي والثقافي المحلي قد ينتج فنانون يمتلكون أدوات احترافية عالية، لكنهم يصبحون أقل اتصالاً بقضايا مجتمعهم وروحه. ينتج عن ذلك أعمال متشابهة ومكررة تستعير أشكالاً عالمية دون أن تحمل صوتاً خاصاً. أما التجارب التي نجحت في الوصول إلى الساحة العالمية—مثل اليابان وإيران وكوريا وتركيا—فلم تحقق ذلك عبر تقليد الآخرين، بل من خلال التمسك بخصوصيتها الثقافية وتقديم فن ينبع من مجتمعها.

خطة تعليمية ثنائية اللغة

أوضح المتحدث الرسمي المكلف عبدالمجيد العساف أن الخطة التعليمية ستعتمد تدريس بعض المواد باللغة العربية وأخرى باللغة الإنجليزية، وفق طبيعة كل تخصص. يهدف ذلك إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على البعد الثقافي المحلي والاستفادة من المعرفة العالمية الحديثة.

هذا التوازن يبدو الأقرب إلى احتياجات التعليم الفني اليوم؛ فالمطلوب ليس الانغلاق على العربية ولا الاعتماد الكامل على الإنجليزية، بل بناء نموذج يجمع بينهما. تُستَخدم العربية في الجوانب الفكرية والثقافية والتاريخية المرتبطة بالهوية، بينما تُوظف الإنجليزية للوصول إلى التقنيات الحديثة والمراجع العالمية وأسواق الصناعة الإبداعية الدولية.

الفنان المعاصر يحتاج إلى فهم عميق لمجتمعه، وفي الوقت نفسه القدرة على التواصل مع العالم. قيمة جامعة الفنون لا تُقاس فقط بعدد الوظائف التي يحصل عليها خريجوها، بل بقدرتها على تكوين جيل من الفنانين والمبدعين قادرين على إنتاج معرفة وثقافة وفنون تعبر عن مجتمعهم وتساهم في تشكيل صورته الحضارية.

إن الفنون ليست نشاطاً هامشياً، بل تُعدّ إحدى أهم الأدوات التي تعبّر بها الأمم عن نفسها وتبني حضورها الثقافي والحضاري أمام العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *