تشير تقديرات حديثة إلى أن سوق توصيل الطعام في المملكة العربية السعودية يسجل أكثر من 520 ألف طلب يوميًا، مع توقعات بوصول قيمة هذا السوق إلى نحو 14.9 مليار دولار بحلول عام 2028.
تحول المطاعم نحو منصات التوصيل
خلال السنوات الأخيرة، لجأت المطاعم إلى التعاقد مع شركات التوصيل سعياً لتوسيع قاعدة عملائها وتعزيز مبيعاتها، مستفيدة من التحول المتسارع في سلوك المستهلكين نحو الطلب الرقمي. إلا أن التجربة العملية، وفق ما يؤكده عدد من المستثمرين في القطاع، أظهر أن بعض المنصات لم تعد تقتصر على دور الوسيط اللوجستي فحسب، بل أصبحت شريكًا يستحوذ على جزء كبير من الإيرادات عبر عمولات تصل إلى 30٪، وربما أكثر في بعض الحالات.
حجم المنصات وتأثيره على المطاعم
تعمل تطبيقات التوصيل الكبرى عبر شبكات واسعة تشمل مطاعم ومتاجر وصيدليات. يضم أحد التطبيقات أكثر من 55 ألف شريك في أكثر من 100 مدينة بالمملكة، بينما تجاوز عدد المطاعم الشريكة في منصة أخرى 50 ألف مطعم خلال عام 2025، مع تنفيذ أكثر من 150 مليون طلب داخل السوق السعودي خلال عام واحد.
الضغط على هوامش الربح
مع ارتفاع التكاليف التشغيلية للمطاعم، بدأت العمولات المرتفعة تؤثر مباشرة على ربحيتها، لا سيما لدى المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي وجدت نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على الظهور الرقمي وضمان تدفقات مالية مستقرة من جهة، وحماية هامش الربح من جهة أخرى. يرى مستثمرون أن بعض المطاعم أصبحت تعمل فعليًا لتغطية التزامات تطبيقات التوصيل في ظل ارتفاع نسب الاستقطاع وتكاليف التشغيل الأخرى.
دفعت هذه التكاليف عددًا من المطاعم إلى رفع أسعار الوجبات داخل التطبيقات مقارنة بأسعار البيع المباشر داخل الفروع أو عبر الطلبات الهاتفية، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الأرباح التشغيلية، ما أدى إلى ظهور فجوة سعرية يلاحظها المستهلك بين الشراء عبر التطبيق والشراء المباشر.
تجربة العميل وعلاقة العلامة التجارية
لا تقتصر التحديات على الجانب المالي فحسب؛ إذ تشير المطاعم إلى أن الاعتماد المكثف على تطبيقات التوصيل أدى إلى تراجع حضور العلامة التجارية أمام العميل، في حين تصدر التطبيق المشهد كواجهة التواصل الأساسية مع المستهلك. كما تظهر إشكالات تتعلق بجودة الخدمة وتجربة العميل، خاصة في حالات تأخر الطلبات أو فقدان جودة وحرارة المنتجات أثناء النقل، وهو ما ينعكس في تقييم المطعم رغم أن الخلل قد يكون خارج نطاق مسؤوليته المباشرة.
استراتيجيات التحول نحو الطلب المباشر
في مواجهة هذه التحديات، بدأت بعض المطاعم بتنفيذ خطط تدريجية لتقليل الاعتماد على تطبيقات التوصيل عبر توسيع قنوات الطلب المباشر، وتطوير تطبيقات ومنصات خاصة بها، إلى جانب الاستعانة بمزودي خدمات لوجستية مستقلين لإدارة عمليات التوصيل.
أظهرت تجارب عدد من المنشآت أن تقليص الاعتماد على التطبيقات أدى في البداية إلى انخفاض المبيعات اليومية إلى أقل من النصف بقليل، إلا أن تراجع العمولات أسهم في رفع صافي الأرباح وتحسين التدفقات المالية، مما عزز القناعة لدى البعض بأن الحل لا يكمن في إلغاء تطبيقات التوصيل بالكامل، بل في إعادة ضبط مستوى الاعتماد عليها وبناء قنوات بيع مباشرة تمنح المطاعم سيطرة أكبر على العلاقة مع العميل.
المنصات الخاصة بالمطاعم كبديل محتمل
ترى المطاعم أن امتلاك منصة خاصة يتيح مزايا تشغيلية إضافية تشمل إدارة أسرع للمخزون والطلبات، وخفض التكاليف التشغيلية، وتعزيز ولاء العملاء، إلى جانب تحسين القدرة على التسويق المباشر وتقديم العروض والبرامج التحفيزية دون وسطاء.
في المقابل، يشير مختصون في قطاع الأغذية والتجزئة إلى أن تطبيقات التوصيل لم تعد مجرد خدمة نقل طلبات، بل أصبحت منصات تسويق وبيع رقمية متكاملة تمتلك قواعد بيانات ضخمة وقدرات وصول واسعة للعملاء، مما يجعل وجودها ضرورة تتماشى مع التحولات الحديثة في السوق وسلوك المستهلك.
ويؤكد هؤلاء المختصون أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في الاستغناء عن التطبيقات، بل في إدارة العلاقة معها بوعي تجاري وتسويقي ومالي يوازن بين الوصول إلى العملاء والمحافظة على الربحية، مع بناء استراتيجيات تشغيلية تقلل من أثر العمولات المرتفعة على الأداء المالي للمطاعم.
ملخص هيكل العلاقة في منظومة التوصيل
تتضمن منظومة التوصيل في المملكة عدة أطراف: تطبيقات التوصيل، المطاعم، المستهلك، مندوب التوصيل، والشركة المشغلة لخدمات التوصيل. يقدر حجم السوق اليوم بـ 520 ألف طلب توصيل يوميًا، ومن المتوقع أن يصل إلى 14.9 مليار دولار بحلول عام 2028، مع تغطية أكثر من 100 مدينة وتنفذ بعض المنصات أكثر من 150 مليون طلب خلال عام واحد.
تستند أسباب اعتماد المطاعم على التطبيقات إلى توفير وصول أسرع للعملاء، زيادة الانتشار الرقمي، تسويق مستمر، سهولة الطلب والدفع، ورفع حجم الطلبات اليومية. أما التحديات التي تواجهها فتشمل ارتفاع العمولات، تآكل الأرباح التشغيلية، ضعف العلاقة المباشرة مع العميل، تأخر الطلبات أحيانًا، وتأثر جودة المنتجات أثناء النقل، إلى جانب تحكم التطبيقات في الظهور والتقييمات.
تتجه الحلول المقترحة نحو تطوير تطبيقات خاصة، الاعتماد على الطلب المباشر، التعاقد مع مزودي توصيل مستقلين، تقليل الاعتماد على المنصات الكبرى، وبناء برامج ولاء للعملاء.





