لم تكن المملكة يوماً من الأيام دولة تقوم على المقايضة في مواقفها، بل تعمل على التوفيق بين مبادئها الراسخة ومصالحها الوطنية ومسؤولياتها تجاه العرب والمسلمين. إنها دولة رسالة تُقيم أركانها، وقافلة خير لا تنحني ولا تتراجع، تمضي بعزم قديم ووعد كريم، وهي سائرة على هذا الدرب ومتمسكة به. ظلت المملكة تستند إلى ثوابتها وقيمها الوطنية وفق ما تقتضيه الحكمة، تحمل الرسالة كأمانة وتؤديها كعبادة.
عهد لا يُنقض ونهج لا يُرفض
نحن في أرض الحرمين أهل عهد لا يُنقض، وأصحاب نهج لا يُرفض، جعلنا هادينا خلق النبي الأمين، حين أتاه جبريل يعرض عليه الأخشبين، فأبى وقال قولاً صار على الدهر نقشاً مبيناً: (لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله). فكان الحلم دأبه، والعفو مذهبه، وكانت الرسالة قبساً لا ينطفئ ونوراً لا ينحسر ولا يختفي.
واذكروا مواقف المؤسس الإمام، حين نهض لنصرة فلسطين، فأرسل الرجال، فقاتلوا كتفاً بكتف، وسالت دماؤهم الطاهرة، فخطت على الثرى أسماء لا تُمحى ولا تُطمس، حتى شهد القريب والبعيد، وأقر العدو قبل الصديق، بأن كلمة الحق قد بُلّغت والحجة قد أُقيمت. ثم تتابعت السنون وتعاقبت العهود، فكان في كل طور شاهد، وفي كل عهد رائد، دخلت راية الحق إلى المحافل، وحُملت قضايا الأمة إلى المجالس، نصرة للجزائر إذ استصرخت، ومؤازرة لكل أرض نادت ولكل شعب جاهد. وما كان موقف الملوك من بعد إلا امتداداً لما كان، وسيراً على ذات البيان، حين اشتد الكرب واحتدم الخطب، فكان النفط سلاحاً، والموقف جناحاً، وكانت الكلمة سيفاً لا يُغمد، وقراراً لا يُرد ولا يُبدّل.
أيام قريبة: نصرة الكويت وجمع الشمل
ثم انظروا إلى أيام قريبة، كيف نُصرت الكويت، وكيف رُفعت الرايات، وكيف مُدّت الأيادي بلا من ولا أذى، ولا طلب ثمن ولا رجاء جزاء، إلا ما كان من وجه الله رب الأرض والسماء. وكذلك كان السعي في جمع الشمل، ورأب الصدع، وجبر الكسر، في فلسطين حين تنازع الإخوة، وفي البحرين حين أحدق الخطر، وفي كل موطن اضطرب فيه الميزان ومال فيه الكف واضطرب الأمان. ثم جاء عهد تتجدد فيه القافلة وتشتد العزيمة، فكانت عاصفة تُقيم لا تُهدم، وتدفع لا تُسلّم، وكانت يد الصلح تُمد حيث يسيل الدم، فيُطفأ النزيف ويُرجى التأليف وتُستعاد الأواصر بعد الفرقة والعدم. وأما ما كان من شدائد الزمان وأزمات الإخوان، فقد فُتحت الديار وسُخّرت الموارد، وصار الوطن كله مأوى، وصارت الأرض كلها نجدة، لا يُسأل عن مقابل ولا يُنتظر من نائل، فذلك دأبنا وذلك عهدنا وذلك ما كان وما يكون.
رسالة تعطي لا تحصي>
ولو كان معيار السعودية المكاسب الآنية لكان لها في المواقف حساب، وفي النصرة أبواب تُفتح وتُغلق، ولكنّا أهل رسالة، نعطي ولا نحصي، ونبذل ولا نجاري، ونحسن ولا نبالي بما يقال أو يُدارى. وقد قيل — ولا يزال القول قائماً — إن آباءنا كانوا على قلة من العيش، وغيرهم في سعة من الريش، فما أغاثوا ولا واسوا، ومع ذلك لم نقابل بالجفاء، بل قابلنا بالعطاء، فكان ذلك خلقاً راسخاً ونهجاً شامخاً لا يزول ولا يبور. فإن سأل سأئل: ما الفرق بيننا وبينهم؟ قيل: الفرق بين من يحمل الرسالة، ومن يحمل المصلحة، بين من يرى العطاء عبادة، ومن يرىه تجارة، فنحن دولة كانت ولا تزال سنداً لقضايا الأمة العربية والإسلامية، من دخلها أمن، ومن استظل بها سلم، وقد نفهم الغضب ونُدرك الألم، ولكن أمر الدول شأن قيادة تبصر وتُقدر وتُدبر، فتمضي حيث يكون الرشد وتُمسك حيث يكون الحزم.
اللهم أصلح الحال، واهْد النفوس، وصفِّ القلوب من الأدران والأهوال، واجعل لنا من كل ضيق فرجاً، ومن كل كرب مخرجاً، واجمع الكلمة، ووحّد الصف، وألّف بين القلوب.





