الحداثة الغربية بين الشوفينية والبداوة: قراءة في الصراع الطائفي والهوية الحضارية

شارك
الحداثة الغربية بين الشوفينية والبداوة: قراءة في الصراع الطائفي والهوية الحضارية

تتناول هذه المقالة نقداً عميقاً للحداثة الغربية، متسائلة عن سبب كونها في أصوليتها وتطرفها أشد وطأة من التطرف الديني الذي سبقها، مع إقرارها بأن ما تسميه «البدائية» يحمل إمكانات تواصلية أقل توحشاً وأكثر رقياً وفق سياقه التاريخي. (للاستزادة، يُنظر كتاب «البدائية» لأشلي مونتاغيو).

تبرؤ الحداثة من عيوبها عبر ما بعد الحداثة

وبناءً على ذلك، بدأت الحداثة تتبرأ من عيوبها عبر تطوير ميزاتها بما أطلقت عليه «ما بعد الحداثة»، بوصفه جلداً للذات «الإمبريالية/الكولونيالية» التي جعلتها تحتوي حتى الآن في بعض مكتباتها ومتاحفها آثاراً وكنوزاً تعود لدول أخرى من العالم، دون أن ترى ضرورة لإعادتها إلى أصحابها، باعتبارها المالكة الوحيدة للتاريخ الإنساني، في تجسيد صارخ للشوفينية الحضارية.

إشكالية الصراع الطائفي في الشرق الأوسط

وهنا يطرح التساؤل عن الإرث التاريخي البشري المشترك في الصراع الطائفي الذي اتخذ مبرراً دينياً، والذي عاشته أوروبا وخرجت منه. لماذا دخل هذا الصراع بعض أهل الإسلام في العصر الحديث، بينما لم تدخله الديانات الأخرى بشكل بارز؟

السبب، بحسب المقالة، يعود إلى أن منطقة الشرق الأوسط هي حاضنة الديانات وواسطة العقد في الحضارات الإنسانية بين الشرق والغرب. فمن ناحية الإحصاءات الاجتماعية، تؤكد الطبيعة العمرية لهذه المنطقة أن مزاجها «مراهق نسبة إلى الفئة الاجتماعية الأعلى فيها»، وما يرافق المراهقة وعنفوان الشباب من ترافع عن الأنا الهووية والهوية الحضارية، حتى لو ارتدى البرقع داخل أوروبا، أو طعن سلمان رشدي تنفيذاً لفتوى. إنها المنطقة الرخوة في النضج جيونالوجياً، كمزيج جينالوجي وجيولوجي، حيث تلتقي الصفائح التكتونية للحضارات الشرقية والغربية.

ولهذا، فإن ضغط الحداثة التكتوني بين الشرق والغرب منح هذه المنطقة، عبر الصراع الطائفي، عدسة محدبة يجعل زلزالها يلغي كل ما له طابع تاريخي، متجاهلاً ما تؤكده كتب الفقه من تغير الحكم بتغير الزمان والمكان والأحوال والعادات والنيات والمقاصد. كل هذا لا يهم العقل الطائفي مقابل ترافع عن الذات يمزج اللوغوس في أجهزتها ومعداتها وأسلحتها، والميثوس في طريقة تفكيرها وأهدافها.

البداوة: حالة عابرة أم عِرق ثابت؟

وينقل الكاتب من كتاب «الحداثة البدوية» قوله: إنه يقف ضد الصورة النمطية التي تلقيناها كقرار يقرره الفرنجة، باعتبار البداوة عِرقاً وإن لم يقولوا ذلك صراحة، لكن كثيراً منا فهمها كذلك. أليست المكينة الاستعمارية بآلتها السينمائية قد صنعت ذلك واستجبنا لها؟ فقررنا على أنفسنا حالة تجاوزناها نظرياً منذ بداية الدولة الوطنية في العالم العربي، ولن نحمل راية المظلومية. بل هي تصورات تجعلنا نرى أحياناً تاريخ رعاة البقر في أمريكا وهم يقاتلون ويتآمرون على بعضهم وعلى السكان الأصليين من الهنود الحمر في سبيل الكلأ والماء والماشية، وكأنهم يشبهون بعض أجدادنا مع فارق بنيوي له طعم الحديد في أفواههم الرأسمالية، والإقطاعية في أفواهنا البدوية.

لقد كنا بدواً بالفعل، وكان عيبنا الوحيد مع العثمانيين – لبضعة قرون – ثم تلاهم الغربيون – لبضعة عقود – أننا كنا طيبين وبريئين أكثر من اللازم، ولا نزال على ذلك ما دمنا نؤمن بمصير البداوة فينا باعتبارها عِرقاً وليست حالة عاشها الكاوبوي الأمريكي في صحراء نيفادا، كما عاشها راعي الإبل في صحراء النفود. فالكاوبوي الأمريكي هو خلاصة الروح البدوية الأوروبية المغامرة في الترحال، التي تشبه تماماً ما ينسب لأحد المفكرين العرب من أبناء المغرب عندما قال: «أنا أقوى منكم يا عرب المشرق لأني سليل أقوى فرسان جزيرة العرب القادرين على الترحال بشجاعة فاتحاً وغازياً إلى أقصى شمال إفريقيا، وقوفاً بفرسه على بحر الظلمات/المحيط الأطلسي».

ويبقى اليهود سادة البداوة والشتات منذ التيه في الصحراء أيام موسى وحتى يومنا هذا. أحببت الأمازيغي والفارسي كما أحببت الكردي والأرمني.. كما أحببت الطوارق في صحرائهم، أحببتهم جميعاً بكل بساطة، لأني لم أرَ فيهم الآخر، بل رأيت فيهم نفسي البدوية وتاريخ أسلافي، حتى في عيوبنا نتشابه، لكننا نحاول أن نختلف كالأطفال عن بعضنا كي نشعر بنا، كالإخوة ينتمون لأب واحد وأم واحدة، ولكن نزعة هابيل وقابيل تغلب وتنتصر عند أول قربان، لتبقى الأسطورة/الميثوس أعلى يداً من العقل/اللوغوس إلى يومنا هذا.

أعجبك الخبر؟ شاركه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *