لم تعد ساحة القتال في سوريا تتسم بالمعارك التقليدية بين الجيوش، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتقاطع فيها خلايا إرهابية، بقايا شبكة النظام السابق، صراعات إقليمية، وتدخلات القوى الكبرى. في هذا السياق، لا تقتصر العبوة الناسفة على جريمة عشوائية، بل تتحول إلى رسالة سياسية واضحة، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا تم اختيار هذا الهدف، ولماذا الآن؟
تحول الهدف إلى ميدان مدني
استهداف مقهى في شارع النصر داخل العاصمة دمشق يختلف تماماً عن العمليات السابقة التي استهدفت كنائس، اجتماعات أمنية، مؤسسات حكومية أو شخصيات بارزة. هذه المرة، وقع الضرب على مكان مدني مكتظ لا يحمل أي قيمة عسكرية أو سياسية، لكنه يحمل وزنًا اجتماعيًا كبيرًا، إذ يرمز إلى حياة المواطنين ومحاولتهم استعادة روتينهم بعد سنوات من النزاع.
الانفجار الذي أسفر عن مقتل عشرة مدنيين وإصابة العشرات لا يمكن أن يُعزى إلى الصدفة. عندما تتحول المقاهي والأسواق ووسائل النقل إلى أهداف، يتضح أن الإرهاب غير أولوياته التقليدية؛ فهو لا يسعى بعد الآن للسيطرة على أراضي، بل يستهدف مفاتيح الخوف، ساعيًا إلى إرباك المجتمع بأكمله.
السياق الأمني والسياسي المتشابك
تحاول الحكومة الجديدة تعزيز مؤسسات الدولة وتوسيع سيطرتها الأمنية عبر عمليات استباقية لمنع استهداف المدنيين. إلا أن المشهد يبقى متقلباً، حيث تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى جانب صراع إسرائيلي مستمر مع حزب الله وتنافس إقليمي على مستقبل سوريا ودورها في المنطقة. في ظل هذه البيئة، تصبح العمليات الإرهابية أداة منخفضة التكلفة وعالية التأثير لتفريق الداخل السوري دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
من هو المحتمل أن يكون وراء العملية؟
حتى الآن، لم تسفر التحقيقات عن إجابة قطعية حول الجهة المسؤولة. إلا أن نمط الحادث يتماشى مع أسلوب تنظيم داعش أو خلايا تتبنى فكره، إذ تعود هذه الجماعات إلى استهداف المدنيين عندما تضيق أمامها مساحة الحركة. لا يلزمهم السيطرة على مدينة لفرض حضورهم؛ مجرد خلية صغيرة وعبوة واحدة كافية لتعود إلى عناوين الأخبار وتؤكد قدرتها على الضربة.
في السابق، حذر محللون من أن خطر داعش لا يكمن في استعادة «دولة» إقليمية، بل في تحولها إلى تنظيم يعتمد على خلايا صغيرة وعمليات موجهة داخل المدن، مستغلاً أي ثغرة أمنية أو توتر سياسي. ما وقع في دمشق يتماشى مع هذا التحول، وستحدد التحقيقات ما إذا كان هذا هو السيناريو الفعلي.
العوامل المتداخلة وتأثيرها الإقليمي
ليس من الضروري أن تكون داعش الجهة الوحيدة المستفيدة من التفجير. لا تزال سوريا تحتضن شبكات مرتبطة بالنظام السابق، من ضباط أمن وعسكريين مخضرمين في مجال التفخين، إلى شبكات تهريب أسلحة ومخدرات. لا يُقصد إلقاء اللوم مباشرة على هذه الشبكات، بل الإشارة إلى أن البيئة المتراكمة منذ سنوات الحرب ما زالت تقدم موارد وخبرات قد تُستغل من قبل التنظيمات الإرهابية.
على الصعيد الإقليمي، لا تحتاج بعض القوى إلى أن تكون وراء كل تفجير لتجنيبه من النتائج. منذ سقوط النظام السابق، لم تُخفِ تل أبيب رفضها للسلطة السورية الجديدة، مستمرةً في غاراتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ومُعلنةً رفضها للواقع الأمني الجديد في جنوب البلاد. أي تراجع أمني داخل دمشق يمنح إسرائيل مادة إضافية لتأكيد روايتها بأن سوريا لا تزال دولة هشة، ما يعيق تعافيها السياسي والاقتصادي ويُبقيها مشغولة داخلياً.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال القوى الطائفية التي كان لها حضور في سوريا بدعم خارجي. ما يُعرف بـ«حرب الظل» لا يستلزم اجتماع جميع الأطراف على مائدة واحدة؛ يكفي أن ينفذ طرف واحد عملية تُحقق مكاسب لأطراف أخرى. فالمنفذ قد يكون تنظيمًا إرهابيًا، بينما تتوزع الفوائد السياسية على خصوم النظام السوري، أو على من يرى في الفوضى فرصة لتقوية موقعه أو إضعاف منافسيه.
إذن، السؤال لا يقتصر على هوية منفذ التفجير فحسب، بل يتعداه إلى تحديد من ارتبطت مصالحه بهذه العملية. بينما تسعى التحقيقات لتحديد الجاني المباشر، يبقى السؤال السياسي قائماً: ما هو الدافع الذي يجعل العبوة الناسفة تعود إلى دمشق الآن؟ الجواب لا يكمن في هوية المنفذ فقط، بل في التحولات التي تشهدها سوريا والمنطقة ككل.
تاريخياً، كثيراً ما تُستَخدم العبوة الناسفة في الشرق الأوسط كحلقة أخيرة في سلسلة من الحسابات السياسية والأمنية. وبالتالي، قد لا يكون تفجير مقهى شارع النصر مجرد حادث إرهابي عابر، بل إشارة إلى أن حرب الظل التي تخوضها سوريا دخلت مرحلة جديدة، لا تهدف إلى إسقاط الدولة بالقوة، بل إلى عرقلة مسار الاستقرار وإطالة أمد الفوضى.





