يرى العديد من الكتّاب أن البشرية تقف على حافة قفزة هائلة نحو المجهول، إذ تنقل وعيها خارج أدمغتها وتساهم في خلق كيانات أخرى قد تصبح قادرة يوماً على المشاركة في تشكيل المعتقدات واتخاذ القرارات.
لكن المشكلة الأساسية أن معظم هذه النقاشات تدور داخل إطار الاقتصاد أو التكنولوجيا أو القانون، بينما يُهمل سؤال أعمق: لماذا يشعر الإنسان أصلاً بهذا القدر من القلق؟ ولماذا يبدو احتمال قيام الآلة ببعض مهامه تهديداً لهويته وليس فقط لوظيفته؟
تفسير من علم النفس التطوري
هنا يقدم علم النفس التطوري تفسيراً يستحق التأمل. فالدماغ الذي نحملعه اليوم ليس نتاج العصر الرقمي، بل تشكل عبر مئات الآلاف من السنين في بيئة كان البقاء فيها مرتبطاً بقيمة الفرد داخل مجموعته. فالإنسان الذي يفقد دوره يفقد مكانته، والذي يفقد مكانته قد يفقد الحماية والغذاء وفرصة تكوين أسرة. لهذا السبب تشكلت في أعماق النفس البشرية علاقة شبه غريزية بين المنفعة والوجود: أن تكون نافعاً يعني أن تبقى على قيد الحياة.
لذلك، فالموظف الذي يخشى أن يحل محله الذكاء الاصطناعي، أو الكاتب الذي يراقب الآلة وهي تنتج نصوصاً، أو الفنان الذي يرى الخوارزميات تنتج صوراً ورسومات وموسيقى، يستيقظ في داخله نظام إنذار تطوري قديم يخبره بأن دوره يتضاءل وقيمته تتراجع.
الامتداد الخارجي للعقل
غير أن هذه القراءة، رغم أهميتها، لا تفسر كل شيء. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي لم يتطور عبر جسده فحسب، بل عبر أدواته أيضاً. فكل نقلة حضارية كانت بمثابة نقل وظيفة من الجسد إلى الخارج. فالمطرقة حملت جزءاً من قوة الذراع، والعجلة حملت جزءاً من وظيفة القدم، والكتابة حملت جزءاً من وظيفة الذاكرة، والحاسوب حمل جزءاً من العمليات الحسابية. واليوم ينقل الذكاء الاصطناعي بعض وظائف التفكير نفسها إلى خارج الدماغ.
من هنا تأتي أطروحة الفيلسوفين آندي كلارك وديفيد تشالمرز في نظرية العقل الممتد. فالعقل، في تصورهما، لا ينتهي عند حدود الجمجمة، بل يمتد ليشمل الأدوات التي نعتمد عليها في التذكر والتخطيط واتخاذ القرار. وإذا كانت الدفاتر والهواتف قد أصبحت جزءاً من منظومتنا الإدراكية، فإن الذكاء الاصطناعي قد يكون الخطوة التالية في هذا الامتداد.
أزمة الكينونة الجديدة
لكن هذا الامتداد يحمل مفارقة عجيبة. فكلما صارت الأداة أذكى، بدأ الإنسان يشك في نفسه أكثر. لقد اعتدنا، منذ آلاف السنين، أن نعرّف الإنسان بأنه الكائن الأذكى، والأقدر على التحليل، والأسرع في التعلم، والأكثر إبداعاً. واليوم تقف أمامه منظومات تستطيع أن تكتب، وترسم، وتترجم، وتحلل، وتبرمج، وتجيب عن الأسئلة في ثوان. لأول مرة في التاريخ، يشعر الإنسان أن الميزة التي بنى عليها هويته لم تعد حكراً عليه. فالأزمة الحقيقية إذن لا تتمثل في استبدالنا بالذكاء الاصطناعي، بل هي أزمة السؤال حول الكينونة الجديدة للإنسان.
هل الإنسان هو من يحسب؟ لقد سبقه الحاسوب. هل هو من يحفظ؟ لقد تفوق عليه الإنترنت. هل هو من ينتج النصوص والصور؟ أصبح الذكاء الاصطناعي ينافسه في ذلك. إذن أين تكمن فرادته؟
حتى الآن، ربما في شيء لم تستطع التكنولوجيا أن تحاكيه بالكامل: الإرادة والوعي بالمعنى، والمسؤولية الأخلاقية، والقدرة على تحويل المعرفة إلى مهارات، والموازنة بين المتناقضات. فالذكاء الاصطناعي يعالج أنماطاً، لكنه لا يعيش تجربة إنسانية. فهو لا يحمل ضميراً، ولا يضحي من أجل فكرة يؤمن بها، ولا يخاف، ولا يندم، ولا يحب ولا يكره.
من هنا لا أتصور أن يحمل المستقبل صراعاً بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، لكن قد يكون الصراع بين إنسان يتقن استخدام الذكاء الاصطناعي ويستثمر فيه وآخر يرفضه ويخاف منه.
على مدى التاريخ رأينا الأدوات لا تقضي على الإنسان، لكنها تعيد ترتيب دوره في الحياة والإنتاج. فالآلة البخارية، والكهرباء، والحاسوب، كلها لم تلغ الإنسان بل غيرت مستوى عمله وتفكيره ونظام حياته. أما الذكاء الاصطناعي، فربما لا يكون أعظم اختراع في القرن الحادي والعشرين فحسب، بل أعظم تحد يحث الإنسان على التفوق والتطور. إذا لم يعد الذكاء ميزة الإنسان العاقل، فما هي الميزة الجديدة؟





