«ليكن إحساسك هو مرشدك الوحيد، سر على هدى ما تقتنع به، خير لك ألا تكون شيئا على الإطلاق، من أن تكون صدى لفنانين آخرين، إذا كنت قد تأثرت بحق، فسوف تنقل إلى الآخرين إحساسك الصادق». هكذا صاغ المصور كورو كلمات موجزة تُعبّر عن رؤيته الفنية في أواسط القرن التاسع عشر.
متطلبات الفنان بحسب كورو
يُشير التحليل الذي أعدّه الدكتور فؤاد زكريا إلى أن كورو وضع ثلاثة أسس يجب أن يتحلى بها الفنان: أولاً، أن يكون خاضعاً لتأثير الانفعالات؛ ثانياً، أن يبرِز شخصيته الفريدة؛ وثالثاً، أن يلتزم بالإخلاص في عمله حتى يستطيع أن يترك بصمته ويُظهر هويته بوضوح للمتلقي.
غياب الشخصية في الأغاني اليومية
يتساءل الكاتب عن عدد الأغاني التي نسمعها يومياً وتفتقر إلى أي شخصية مميزة. ما هو السبب وراء هذا الظهور الباهت؟ لماذا لا يقرّ البعض بحقيقة أن الأفضل أن لا تكون مجرد صدى لفنان آخر؟
فشل بعض المطربين العرب في إظهار الأصالة
يُشير النص إلى أن بعض المطربين العرب لم يستطيعوا حتى أن يكونوا صدىً لغيرهم، مما سبب إحراجاً أمام الجمهور. فقد تعلمت بعض الأصوات الغناء من آذان المستمعين مباشرة، لكنها لم تتقن بعد أساسيات التخطيط والتواصل مع المتلقي، وهو ما يحول دون حجز مقعدٍ مميزٍ في الصف الأول لنوابغ الفن.
الأغنية الباهتة وأثرها المتلاشي
تُعرّف الأغنية الباهتة بأنها تلك التي لا تُرسّخ في الأذهان، مهما كان مستوى السمع لدى الجمهور أو من أدّاها. وعلى النقيض، الأغنية المتكاملة لا تسمح لحنجرة باهتة أن تُسيطر على المستمعين، وبالتالي تُكسبها معجبين وجمهوراً ثابتاً.
في الواقع، تتعدد الأغاني مقارنة بالمغنين في بلادنا. كلما التقيت بمغنٍ، يرويك عن إصداراته «الجديدة»، رغم أننا بحاجة ملحة إلى تجديد معنى «الجدة» في فن الغناء.
الموضوع المتداول لا يُعد نصاً شعرياً جديداً، حتى وإن تغيرت تراكيب القوافي والمفردات. اللحن المتعدد الأشكال لا يحمل شيئاً جديداً على الأذن إذا كان مجرد تعديل على ما سُمع مسبقاً، وكذلك الأداء الذي يُحاكي سلفه لا يُعَد تجديداً أصلياً. لذلك، يُستدعى إعادة تعريف المصطلحات والمسميات.
عند تكرار الموضوع، يصبح النص «جديداً» بالنسبة للمغنِّ المبتدئ، لكن لا يُعَد كذلك للمستمع العادي. لذا يُنصح بإعادة الصياغة والبحث عن تجديد حقيقي إذا كان الهدف هو التفرد.
نبحث عن ألحان جديدة تُبهج الأذن، لكن كثيراً ما نصادف محاولات باهتة مستوحاة من الماضي، فتتساءل متى سينتهي هذا الأسلوب العقيم؟
من خلال نظرة فاحصة للأعمال الحالية القابلة للذوبان، يمكن القول إن «لا جديد» يسيطر على الساحة الفنية العربية في الوقت الراهن.
لقد انتشر أكثر من «فيروس» في المشهد الفني العربي، وأكثر من «سوس» ينهش عظامه؛ فالكثير من الأعمال تآكلت بسبب الصدأ، ومعظم الحناجر باتت بلا صدى ولا صوت.
خاتمة مع نغمة فاروق جويدة
وبينما يردد خلفية فاروق جويدة: «الشوق درب طويل عشت أسلكه… ثم انتهى الدرب وارتاحت أغانيه»، نعود إلى الدرب حيث تحملنا الأفراح، واليوم نُعيد استرجاع نهر الدمع لنستقي منه.





