إعادة النظر في ثقة الاستشارات الأجنبية والكفاءات الوطنية

07/07/2026 23:01

النمط المتكرر للأفكار الداخلية

في كثير من المؤسسات يلاحظ أن اقتراحاً يُقدّم من أحد الموظفين، يستند إلى معرفته بتفاصيل العمل وتحدياته، لا يحظى باهتمام كافٍ في البداية. بعد أشهر يعود نفس الاقتراح في تقرير يحمل شعار شركة استشارية عالمية، فيُقدّم على أنه مبادرة متميزة تستحق التنفيذ السريع.

دور الاستشارات الأجنبية وثقة الكفاءات الوطنية

هذا لا يعني التقليل من قيمة الشركات الاستشارية العالمية، فهي تفيد عندما يُستعان بها لسد فجوة معرفية أو لنقل تجارب ناجحة أو لتقديم رؤية محايدة تساعد على اتخاذ القرار. لكن الملاحظة أن الاعتماد عليها بات في بعض الجهات ممارسة تلقائية، حتى عندما تكون الكفاءات الوطنية قادرة على إنجاز المشروع بجودة واقتدار. فهل أصبح اسم الاستشارية يمنح الفكرة مصداقية أكبر من مضمونها؟ وهل تبحث بعض الجهات عن شعار الشركة أكثر من جودة الحل؟

غالباً ما تبدأ هذه الشركات عملها بالاستماع إلى موظفي الجهة، تجمع ملاحظاتهم وتستخلص التحديات والفرص، ثم تعيد تقديمها في قالب احترافي. إذا كانت المعرفة موجودة داخل المؤسسة، فلماذا لا تُعتمد منذ البداية؟

المملكة استثمرت في بناء الإنسان قبل بناء المشاريع ضمن رؤية 2030، وركّزت على تأهيل وتمكين الكفاءات الوطنية وجعلها جاهزة لقيادة التحول في جميع القطاعات. إذا لم تُعطَ هذه الكفاءات الفرصة لقيادة مشاريعها داخل مؤسساتها، فمتى ستكتسب الخبرة اللازمة وكيف يمكن بناء بيوت خبرة وطنية قادرة على المنافسة إذا ظلت الملفات الإستراتيجية تُسند باستمرار إلى الخارج؟

الكفاءة والإنفاق وإعادة النظر في المثل

هناك جانب مهم يتعلق بكفاءة الإنفاق: هل تحقق العقود الاستشارية القيمة المضافة التي أُبرمت من أجلها؟ وهل يُقاس نجاحها بعدد التقارير والعروض التقديمية، أم بالأثر الحقيقي الذي يتركه في تحسين الأداء والخدمات؟ فالتقرير، مهما كان تصميمه رفيع المستوى، لا يحقق قيمة ما لم يترجم إلى نتائج ملموسة.

المسألة ليست في الشركات الاستشارية الأجنبية بحد ذاتها، فهي شريك مفيد عندما تستدعي الحاجة خبراتها، بل في تحويلها إلى الخيار الأول قبل استنفاد الإمكانات الداخلية. الثقة بالخبرة الوطنية لا تعني الانغلاق، والاستفادة من الخبرة الأجنبية لا تعني التقليل من قدرات أبنائنا. الأمر يحتاج إلى حسن تقدير ووضع كل خيار في مكانه المناسب.

السؤال الأساسي الذي يجب أن يسبق أي تعاقد هو: هل استنفدنا فعلاً كل ما نملكه من خبرات وإمكانات قبل أن نبحث عنها في الخارج؟ ليس هناك حاجة للمفاضلة بين الخبرة الوطنية والخبرة الأجنبية، بل إلى تحقيق توازن بينهما: نبدأ بما نملك، نستعين بما ينقصنا، ونجعل نقل المعرفة وبناء القدرات هدفاً لا يقل أهمية عن إنجاز المشروع نفسه.

ربما حان وقت إعادة النظر في المثل الشعبي الذي يقول إن عازف الحي لا يُطرب. الأمم لا تُبنى فقط باستيراد الخبرات، بل لأنها تؤمن بعقول أبنائها، تمنحهم الفرصة للإبداع، ثم تستفيد من الخبرات العالمية لتكمل ما بدأوه، لا لتبدأ من حيث كان ينبغي أن يبدأوا. ربما لم تكن المشكلة أن “زامر الحي لا يُطرب”، بل أننا لم نصغِ إليه بما يكفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *