السياحة السعودية الداخلية: بين جاذبية الوجهات وارتفاع تكاليف الإقامة

أنعمت المملكة بمقومات سياحية متنوعة تشمل الجوانب الدينية والطبيعة والتراث، مما جعلها وجهة للزوار من الداخل والخارج. لكن التركيز هنا ينصب على المواطن السعودي، حيث تمثل الإجازة الصيفية لأغلب الأسر مناسبة ينتظرها أطفالهم بلهفة. بل إن بعض الآباء يجعلون السفر داخل البلاد مكافأة على التفوق الدراسي، أو فرصة لصلة الرحم وزيارة الأقارب، أو أداء مناسك العمرة، أو الاستمتاع بالمصايف والمواقع السياحية التي تزخر بها المملكة.

فئتان من المواطنين وخيارات متفاوتة

يمكن تقسيم المواطنين إلى فئتين أساسيتين: الأولى تفضل السياحة الخارجية مستفيدة من قدرتها المالية، بالإضافة إلى انخفاض تكاليف الإقامة والمعيشة في بعض الدول مقارنة بالمملكة، وفق ما يراه البعض. أما الفئة الثانية فهم محدودو ومتوسطو الدخل، الذين تضيق أمامهم الخيارات بسبب ارتفاع أسعار الإقامة في الداخل. ويجد رب الأسرة نفسه أمام خيارين: البقاء في المنزل أو تحمل نفقات قد تفوق إمكانياته. ففي كثير من المدن السياحية يبلغ متوسط سعر الليلة الواحدة نحو 700 ريال، مما يجعل قضاء إجازة لعشرة أيام عبئاً مالياً ثقيلاً، تضاف إليه تكاليف النقل والطعام والتسوق والترفيه.

موسمية الطلب واشتراطات التكلفة

يتميز النشاط السياحي في كثير من المناطق بطابعه الموسمي، إذ لا يكون الإقبال على مدار العام بالمستوى الذي يحقق للمستثمر العائد المتوقع. وهذا يستدعي إعادة النظر في بعض الاشتراطات، والتفريق بين المتطلبات الأساسية التي تضمن الجودة والسلامة، وتلك التي تزيد التكلفة دون تأثير مباشر على تجربة السائح. كما أن السوق بحاجة إلى تنوع في مستويات الإقامة؛ فليس كل سائح يبحث عن الفنادق الفاخرة، فهناك من يكتفي بسكن بسيط ومناسب يوفر الراحة بسعر معقول، بينما يفضل آخرون الإقامة الفخمة. ولكل فئة احتياجاتها وقدرتها المالية، ويجب مراعاة ذلك.

تأجير المساكن الخاص.. تنظيم مقترح

من المناسب، في تقديري، أن تدرس وزارة السياحة وضع إطار تنظيمي يسمح للمواطنين بتأجير مساكنهم لفترات قصيرة بضوابط واضحة، تتضمن توثيق العقود رقمياً والربط مع الجهات الأمنية المختصة، مما يحفظ الحقوق ويعزز الأمن والسلامة. وفي المقابل، ينبغي ألا تفرض على هذه المساكن اشتراطات فندقية أو مواصفات تشغيلية تؤدي إلى رفع التكلفة بشكل كبير، لأنها في الأصل مساكن خاصة وليست منشآت سياحية. فكلما زادت الاشتراطات غير الضرورية، ارتفعت الأسعار، وتقلصت الخيارات أمام المواطنين، وضعفت جدوى المبادرة. وكما لا توجد تدخلات بين الملاك والمستأجرين عند اختيار السكن، كذلك هنا ينبغي أن يكون الشأن متروكاً لطرفي العلاقة.

لهذا التوجه مردود اقتصادي كبير، حيث إن أي مرونة تنظيمية وتيسير ستغري آلاف الأسر بعرض مساكنها للإيجار عند السفر أو خلال فترات عدم استخدامها، مما يوسع المعروض من أماكن الإقامة، ويمنح الأسر السعودية خيارات أوسع. كما أن هذا التنظيم سيشجع على تنقل المواطنين بين مناطق المملكة، مع بقاء المنشآت السياحية الخاضعة لإشراف الوزارة الخيار الأمثل لمن يبحث عن مستويات خدمة أعلى وتصنيف متقدم.

توازن بين الاستثمار وحق المواطن

من المتوقع أن يسهم هذا التوجه في تعزيز المنافسة، وخفض الأسعار، وتنشيط السياحة الداخلية، وتوسيع دائرة الاستفادة الاقتصادية، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول التي نجحت في تحقيق التوازن بين التنظيم وحرية السوق. تشجيع الاستثمار السياحي هدف وطني مهم، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب توفير خيارات مناسبة للمواطن. فالسياحة الناجحة هي التي تحقق التوازن بين مصالح المستثمر، وأهداف الحكومة، واحتياجات المواطن، وتوفر خيارات متنوعة تناسب مختلف القدرات المالية، لتصبح السياحة الداخلية خياراً ميسراً وجاذباً للجميع. وبذلك تتحقق مستهدفات رؤية المملكة في بناء قطاع سياحي مزدهر ومستدام يخدم الوطن والمواطن.

وكلما اتسعت الخيارات أمام المواطن، ازدادت جاذبية السياحة الداخلية، وتعاظم أثرها الاقتصادي والاجتماعي. ومن المهم أن تمنح وزارة السياحة مساحة أكبر لقانون العرض والطلب، مع المرونة والتيسير اللازمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *