الرقص الشعبي كطقس جماعي: فهم الشرف والهوية في القبائل

12/07/2026 11:07

الرقص كطقس جماعي وهوية

في معظم الثقافات، لا يُعد الرقص الجماعي فعلاً فردياً بل طقساً يهدف إلى إظهار الهوية بدلاً من الجسد. عندما يشارك نساء ورجال من قبائل مثل الأكراد أو الشركس أو شعوب القوقاز في دائرة واحدة، لا يُنظر إلى ذلك على أنه اختلاط اجتماعي حديث، بل على أنه تعبير عن جسد جماعي واحد يتحرك بإيقاع موحد، كما لو أن القبيلة tutta أصبحت كياناً واحداً بيد واحدة ونبض واحد. هذا النوع من الرقص يدمج الهويات الفردية ويشكل الجسد كجزء من الكل الاجتماعي للقبيلة، وفي هذا السياق تُعلّق الهويات الجندرية اليومية؛ فلا يُنظر إلى المشاركين كذكور أو إناث، بل كأعضاء في جسد جماعي تنظم حركته الأعراف والهيبة والتقاليد.

الغيرة والشرف: تمييز بين الفردي والجماعي

الغيرة التي تُنسب إلى هذه الشعوب ليست غيرة على الجسد بل على الشرف الجماعي أو شرف القبيلة. ينبغي التمييز بين نوعين: الغيرة الجسدية، التي هي فردية ورومانسية ترتبط بالعلاقات الخاصة؛ والغيرة الشرفية، التي هي جماعية ومرتبطة بالسمعة والكرامة والاسم والمكانة. بعض المجتمعات لا ترى الشرف كملكية فردية بل كرأس مال جماعي رمزي للقبيلة، لذا يمكن للمرأة أن تشارك في الطقس الجماعي دون أن يُعتبر ذلك تهديداً للشرف، لأن الطقس نفسه مؤطر ثقافياً ومحروس بالرمز الجماعي ومراقب من قبل القبيلة ومحمي بشرفها، ولا يسمح فيه بتحوير المعنى نحو الفردية أو الجسد. الغيرة الشرفية تعمل خارج الطقس الذي تقرره القبيلة، في العلاقات الخاصة وفي الزمن الاجتماعي للحياة اليومية، وليس في الزمن الرمزي الخاص بفلكلور القبيلة. لهذا لا يوجد تناقض بين امرأة ترقص ضمن دائرة جماعية ورجل يغار عليها في سياق فردي؛ فالطقس الجماعي يعلق عن المرأة كونها أنثى وعن الرجل كونه ذكراً، ويعيد تشكيلهما كعناصر في جسد أكبر هو جسد الجماعة/القبيلة.

الصحوة وإعادة تعريف الشرف وتأثيرها على الفلكلور

لتوضيح هذا أكثر، يمكن الاستعانة بكتاب إميل دوركهايم “الأشكال الأولية للحياة الدينية” حيث يشرح أن الطقوس الجماعية تنتج حالة يسميها “الحماس المشترك” لروح القبيلة، أي الحالة التي تتراجع فيها الحدود الفردية لصالح طاقة الجماعة/القبيلة، والتي لا يمكن قياسها بمعايير الأخلاق الفردية؛ وهذا ما يحدث في الرقص الكردي أو القوقازي وغيرها من طقوس القبائل والأعراق. إنه ليس مجرد رقص بل حماس جماعي، ليس اختلاطاً بل هوية جماعة/قبيلة، وليس جسداً بل رمزاً للجماعة/القبيلة. الغيرة الشديدة في هذه المجتمعات ليست تناقضاً مع الرقص الجماعي، بل جزء من نظام معايير مزدوج يعمل منذ زمن بعيد: معيار جماعي لهوية القبيلة يشمل الرقص والاحتفال والطقس والفرح، ومعيار فردي للسلوك الخاص يشمل الغيرة والسمعة والكرامة والحدود. هذا النظام ليس خاصاً بالأكراد فقط، بل موجود في ثقافات عديدة من جبال الجنوب إلى القوقاز والبلقان شمالاً، ومن جبال الأطلس غرباً إلى جبال زاغروس شرقاً. ما حدث للفلكلور في عصر الصحوة يوضح كيف يمكن للصحوة أن تمزق الطقس الجماعي وتعيد تعريف الشرف بطريقة قسرية؛ عندما هيمنت على فلكلور القبيلة تمزيقاً وطعناً، اتجهت لقيم الدولة الحديثة فهاجمت مهن التمريض والطب والمحاماة للنساء، بل وهاجموا غازي القصيبي لأنه أشار لعمل النساء في المحلات التجارية، واستنكروا على الدولة الحديثة نظام الكوتا في تعيين عضوات مجلس الشورى أو الأقليات التي تعاديها الصحوة. ولا تزال آثار الصحوة تتجلى في عجز البعض عن استيعاب مفاهيم وقيم المواطنة في الدولة الحديثة التي تجعل المواطن يفخر بمواطنته لحصوله على ميدالية ذهبية في أحد الألعاب العالمية، ولا يزال الالتباس بين مفاهيم الصحوة للشرف ومفاهيم القبيلة ومفاهيم المواطنة قائماً في عقول الكثيرين.

وبهذا نفهم أن الطقس الجماعي للقبيلة، بما يحمله من رموز وهوية وشرف، لم يكن يوماً المشكلة؛ بل المشكلة كانت في من حاولوا إعادة تعريف الشرف خارج سياقه الثقافي، فمزقوا الفلكلور، وجرحوا الناس في مواطنتهم، وتركوا وراءهم ذاكرة لا تشفى بسهولة. ما نراه في مقاطع وسائل التواصل بين قبائل الأكراد وغيرهم ليس تحرّراً ولا تناقضاً، بل ثقافة كاملة لها منطقها الداخلي الصارم؛ حيث يسمح للمرأة أن تكون جزءاً من الجسد الجماعي للقبيلة، ويطلب منها في المقابل أن تكون حامية ومحمية في الجسد الفردي، وهذا– مهما بدا غريباً– ليس تناقضاً بل انسجاماً داخل نظام ثقافي لا يزال يعمل بقوة في زمن العولمة. أما من تخلوا عن فلكلورهم الشعبي بتقاليده الأصيلة، وارتبكوا في مفاهيم مواطنتهم، فإنهم حالياً يواجهون أعاصير العولمة بارتباك شديد وفقدان لبوصلة القيم والأخلاق، فلا يفرقون بين حرمة الجسد داخل القبيلة وخارجها، ولا بين الفلكلور الشعبي الذي تصونه القبيلة وتعترف به كنوع من التراث الإنساني المحترم، والرقص المبتذل الذي تحتقره كل شعوب العالم بإجماع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *