المسؤول المتصنع بين التظاهر بالتواضع والواقع البيروقراطي

20/05/2026 18:45

أكتب هذا المقال بكل أريحية لسبب ما، لكن قصته ليست محببة ولا لطيفة. أحيانًا نرى بعض المسؤولين في المناسبات العامة يظهرون بصورة المتواضع أو، بمعنى أدق، “يتظاهرون بالتواضع”، ثم نكتشف لاحقًا أن حقيقتهم في الدوائر الخاصة تختلف تمامًا؛ فخلف ذلك الهدوء المصطنع تختبئ درجات عالية من الغرور والتعالي.

قضية ذات قيمة مضافة للوطن

هناك موضوع مهم تبنيته وسعيت فيه من عدة أوجه، وعندما أقول إنني أكتب عنه بكل أريحية؛ فذلك لأن الموضوع لا يحمل أي مصلحة شخصية أو تضارب مصالح بالنسبة لي. إنه يختلف عن مجال عملي وتخصصي اختلاف المشرق عن المغرب، ومع ذلك تبنيته وسعيت فيه لأنه، في رأيي، يمثل قيمة مضافة للوطن واقتصاده، ولأنّه نجح عالميًا، وأعتقد أنه قادر على تقديم فائدة حقيقية للبلاد.

الأمر الأهم بالنسبة لي شخصيًا هو أنه سيسهم في خلق وظائف ذات دخل جيد للمواطنين، وهذا هو محور الاهتمام. فالسعي لخلق فرص عمل للمواطن أعتبره من أرقى صور العطاء للوطن.

لقاء مع مسؤول متواضع يتحول إلى بيروقراطية

قبل فترة، التقيت بأحد المسؤولين في مناسبة عامة، وكان في غاية التواضع والتعاون، حتى إنك تشعر وكأن التواضع يقطر من ملابسه! لدرجة تجعلك تقول: يا حظ من يعمل معه، يا حظنا “نحن” بمسؤول بهذه الصورة. لذلك تواصلت معه بخصوص الموضوع بثقة، فالملف واضح ليس مصلحة خاصة، ويحتاج فقط إلى نقاش وبعض الإجراءات الإدارية وتبادل أفكار. لم نطلب دعمًا ماليًا ولا تقنيًا، والفكرة ليست اختراعًا جديدًا؛ فهي مطبقة وناجحة في الخارج، وتحتاج فقط إلى بعض الجوانب التنظيمية والإدارية.

المفاجأة جاءت في رد المسؤول “المتواضع”. تحول المشهد بالكامل وكأننا أمام شخصية أخرى؛ تغيرت المواقف بمقدار 180 درجة. فجأة ظهرت البيروقراطية والبروتوكولات والمتطلبات والاجتماعات والعروض. كان الرد: “قابلنا أولًا واسمع منا، ثم اطلب ما تشاء، وإذا أردت تحويل الموضوع إلى الجن الأزرق فلا مانع لدينا!”، لكن أن يصبح حتى لقاء المواطن أمرًا بعيد المنال هو ما أظهر المشكلة الحقيقية.

من باب المفتوح إلى باب مغلق

تذكرت حينها المقولة: “He bows his head in public but raises his nose in private”، ويمكن ترجمتها إلى: “يخفض رأسه أمام الناس، لكنه يرفع أنفه تكبرًا خلف الأبواب المغلقة”. المشكلة الكبرى أنني نشأت وترعرعت في الرياض، وتخرجت من مدرسة سلمان بن عبدالعزيز مثل غيري. نحن أهل الرياض اعتدنا على مفهوم الباب المفتوح؛ كنا نتوجه إلى قصر الحكم لحل مشكلاتنا، ونتحدث بأريحية مع أميرنا وشيخنا أبو فهد.

كان يستقبل يوميًا مئات الأشخاص من مختلف فئات المجتمع؛ المثقفين، والبسطاء، ومن يمتلك حسن الأسلوب ومن يفتقر إليه. كان يستوعب الجميع كأب وقائد. كان بإمكانه أن يحيل المعاملات إلى نوابه ولا يطلع إلا على الملفات الكبرى، لكن مفهوم الأبواب المفتوحة بين الحاكم والمواطن كان يُطبق واقعًا يوميًا، وليس مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي.

تداعيات التمثيل والواقع الإداري

نحن تخرجنا من هذه المدرسة العريقة، ويأتي مسؤول اليوم مع فارق التشبيه؛ فلا أحد يقارن شخصيًا بأبو فهد، لكن من الطبيعي أن نتوقع من المسؤول أن يسير على نهج قائده. أكتب الآن لسبب واضح؛ فإذا كان مشروع شبه جاهز ومطبق عالميًا ولا يحتاج إلى دعم حكومي كبير يُعامل بهذه الطريقة، فكم من الأفكار الإبداعية الجديدة دُفنت وأُجهضت بسبب بعض المسؤولين؟

بعض المسؤولين الجدد لا يعتبرون مقابلة المواطن أولوية أصلاً! وربما نحتاج إلى وضع “مقابلة المواطن” ضمن مؤشرات الأداء (KPI) حتى يلتفت البعض إليها. فالموظف العام في الأساس وُجد لخدمة المواطن، وإذا لم يكن يملك مهارات التعامل مع المواطنين والاستماع إليهم، فربما يحتاج إلى مراجعة موقعه الوظيفي.

أن يكون المسؤول من النوع الذي يقول: “انظروا إليّ في المناسبات العامة، أنا متواضع ولطيف ومتعاون”، بينما في الواقع الخاص يقطر غرورًا، فهذه ليست صفة تواضع بل حالة تمثيل. كما تقول المقولة: “He puts on a cloak of humility but wears the crown of arrogance”، وترجمتها: “يرتدي عباءة التواضع، لكنه يضع على رأسه تاج الغرور”. هذا النوع، في رأيي، أشد سوءًا من الشخص المغرور بصورة علنية؛ لأن الأخير على الأقل لا يتصنع ولا يخدع الناس بحقيقة شخصيته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *