الرهانات المتكررة عبر العصور
ليس غريباً أن يعيد التاريخ نفسه، لكن الغريب هو اعتقاد البعض أنهم هذه المرة سيكونون الاستثناء. يراهنون على فشل المملكة، يخسرون، ثم يعودون للرهان من جديد كما لو أن الزمن لم يعلّمهم شيئاً، وكأن تجارب السابقين ليست دروساً واضحة للجميع.
من الدولة الأولى إلى التوحيد
تظهر قصة المملكة العربية السعودية كأحد أوضح الشواهد على هذا النمط. فقد واجهت التحديات وتعددت ضدها الرهانات والمؤامرات، لكن النتيجة كانت دوماً renforcement لوطن يزداد قوة بينما تتلاشى مخططات خصومه. في كل مرحلة يبرز من يظن أن هذه المرة ستكون مختلفة، وتطلق التوقعات وتُنسج الرهانات وتُحاك المؤامرات في الخفاء، معتقدين أن المكائد تستطيع الإضرار بوطن أسست دعائمه على وحدة القيادة والشعب، وقوة مؤسساته، والعمل المتواصل لبناء المستقبل. ثم تمضي الأيام، فتتبدد الرهانات، وتتلاشى المخططات، ويغيب أصحابها، بينما يبقى الوطن ثابتاً يواصل مسيرته بثقة ويكتب فصلاً جديداً من تاريخه.
منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود، لم تخل المسيرة من خصوم راهنوا على تعثرها أو زوالها. تعاقبت المحاولات وتعددت أدوات المواجهة، لكن التاريخ أظهر الحقيقة الواضحة: الدول قد تتعثر لكنها لا تسقط ما دامت جذورها ضاربة في الأرض وإرادة أبنائها أقوى من كل التحديات. تعرضت الدولة السعودية الأولى لحملات عسكرية غادرة، فظن خصومها أن المشروع انتهى، لكن الدولة السعودية الثانية نهضت بقيادة الإمام تركي بن عبدالله لتؤكد أن الأوطان القائمة على فكرة راسخة لا تموت ولا تنتهي بخسارة معركة، بل تستمد من المحن أسباب النهوض من جديد.
رؤية 2030 واستمرار المسيرة
بعد ذلك جاءت المرحلة الفاصلة بقيادة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الذي وحد البلاد وأرسى دعائمها، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الأمن بعد الفرقة، والوحدة بعد التشتت، والبناء بعد سنوات طويلة من الاضطراب. ومنذ ذلك اليوم لم يعد الوطن منشغلاً بإثبات وجوده، بل بصناعة مستقبله. ومع تعاقب العقود تغيرت طبيعة التحديات من المواجهة بالسلاح إلى السياسة والإعلام والاقتصاد والحملات المنظمة ومحاولات الضغط والتشكيك، لكن الهدف ظل واحداً: إضعاف المملكة والنيل من أمنها واستقرارها ومحاصرة دورها الإقليمي والدولي والتشكيك في منجزاتها وعرقلة مسيرتها التنموية في محاولة للحد من تأثيرها المتنامي ومكانتها الراسخة.
ومع ذلك كرر التاريخ إجابته في كل مرة: كلما اشتدت الضغوط ازدادت المملكة تماسكاً، وكلما تعددت محاولات النيل منها اتسعت مساحة حضورها السياسي والاقتصادي وتعزز دورها الإقليمي والدولي. بينما تراجعت مشاريع وسقطت أنظمة وتبدلت تحالفات، بقيت المملكة ثابتة الجذور، تمضي في طريقها بثقة وتواصل البناء دون أن تلتفت إلى صرير المشككين.
ولم تكن المملكة يوماً مشروع صراع، بل مشروع حضارة وبناء. نهجها السلام، ورسالتها التنمية، وغايتها الاستقرار. لكنها في الوقت نفسه لا تتهاون في حماية أمنها، ولا تقبل المساس بسيادتها، ولا تسمح لأي محاولة بأن تعيق مسيرتها أو تنال من مكانتها. ولهذا لم تكن قوتها في قدرتها على مواجهة التحديات فحسب، بل في قدرتها على مواصلة البناء بينما كان غيرها يستنزف طاقاته في الصراعات والمكائد.
واليوم تواصل المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان– حفظهما الله– مسيرتها الطموحة من خلال رؤية السعودية 2030، التي تمثل مرحلة جديدة من التحول الوطني وتعكس طموح دولة لا تكتفي بمواكبة المستقبل بل تسهم في صناعته. ومع كل إنجاز يتحقق تتجدد الأصوات ذاتها وتعود الرهانات نفسها، وكأن أصحابها لم يقرأوا التاريخ، أو قرأوه دون أن يعتبروا.
إن قراءة التاريخ السعودي بعين منصفة تكشف حقيقة لا تخطئها البصيرة: كم من جهة راهنت على إضعاف المملكة أو الحد من دورها، وكم من محاولات استهدفت أمنها واستقرارها أو التشكيك في مكانتها، لكنها مضت بينما بقي الوطن أكثر حضوراً وتأثيراً، وأكثر قدرة على صناعة مستقبله. وليس ذلك دعوة إلى الشماتة، بل دعوة إلى قراءة سنن التاريخ كما هي؛ فالوقائع لا تعرف المجاملة، والنتائج لا تنحاز إلا لمن يملك أسباب البقاء.
لقد أثبتت الأيام أن الدول العظيمة لا تستمد قوتها من إمكاناتها وحدها، بل من تماسك شعبها، وحكمة قيادتها، وقوة مؤسساتها، وقدرتها على تحويل المحن إلى محطات للبناء، والتحديات إلى فرص للنهوض. وسيظل التاريخ شاهداً على أن الرهان على إضعاف المملكة أو التآمر عليها كان وسيبقى رهاناً خاسراً. فالأوطان التي تُبنى على وحدة القيادة والشعب، ورسوخ مؤسساتها، ووعي أبنائها، لا تُهزم بالمؤامرات، بل تخرج من كل تحدٍ أكثر قوة، ومن كل أزمة أكثر تماسكاً.
ويبقى السؤال الذي يردده التاريخ، جيلاً بعد جيل: ألا يعتبرون؟!! ألا يعتبرون؟





