أثارت حزمة جديدة من الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على واردات قادمة من 60 دولة ردود فعل رافضة على المستوى الدولي، وأعادت الجدل حول الحرب التجارية إلى الواجهة من جديد.
وفي 24 يوليو 2026، بدأ سريان هذه الحزمة التي تتراوح نسبها بين 10 و12.5 بالمئة على واردات تلك الدول، وذلك وفق ما أوردته وكالة الأناضول.
وتبرر واشنطن هذه الإجراءات بأنها تستند إلى تحقيقات أجرتها الإدارة توصلت إلى وجود شبهات تتعلق باستخدام “العمل القسري” في إنتاج بضائع الدول المعنية.
هذه الرسوم الجديدة تحل محل رسوم سابقة قدرها 10 بالمئة كانت إدارة ترامب قد فرضتها قبل خمسة أشهر، وانتهى العمل بها في 23 يوليو 2026.
تفاصيل الرسوم والاستثناءات
وتُطبق رسوم بنسبة 10 بالمئة على الدول التي تحظر استيراد السلع المنتجة بالسخرة أو تعهدت بذلك، وتشمل الهند وكندا والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، تخضع عشرات الدول مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان لرسوم نسبتها 12.5 بالمئة. غير أن اقتصادات عدة، من بينها الاتحاد الأوروبي واليابان وتايوان وسويسرا، حصلت على استثناءات أو تخفيفات مرتبطة باتفاقيات تجارية سابقة مع واشنطن.
وتأتي هذه الخطوة في إطار سياسة ترامب القائمة على فرض الرسوم الجمركية، رغم وجود قرار من المحكمة العليا الأمريكية في فبراير 2026 ألغى رسوماً استندت إلى قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية.
رفض دولي واسع النطاق
أبدت دول عدة، بينها الصين وكندا واليابان والبرازيل والاتحاد الأوروبي، رفضها لزيادة الرسوم الجمركية الأمريكية.
وقال لين جيان، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، في 24 يوليو 2026 إن بلاده ترفض الإجراءات الجمركية الأحادية، وشدد على أن “الحروب التجارية لا تصب في مصلحة أي طرف”.
من جانبها، شككت كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، في مبررات واشنطن، وقالت: “إذا قارنت قوانين العمل لدينا بتلك المعمول بها في الولايات المتحدة، فنحن نمنح إجازات مدفوعة الأجر، ولدينا ظروف عمل جيدة، لذا فإن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة”.
كما أعربت اليابان وكندا والبرازيل وأستراليا عن رفضها للرسوم. ووصفت البرازيل الإجراءات بأنها “تعسفية وغير معقولة” و”غير قانونية”، وأعلنت عزمها الرد بالمثل وتقديم شكوى إلى منظمة التجارة العالمية.
الخبراء: لا نتائج اقتصادية ملموسة
وانتقد الخبير الاقتصادي المغربي محمد نظيف، في حديث للأناضول، سياسة ترامب القائمة على رفع الرسوم الجمركية، معتبراً أنها لا تحقق نتائج اقتصادية للولايات المتحدة بقدر ما تسهم في تأجيج الحرب التجارية العالمية.
ورأى نظيف أن هذه السياسة تفتقر إلى البعدين الاقتصادي والجيوسياسي، لا سيما أن الصين تعامل الولايات المتحدة بالمثل في كثير من الحالات المشابهة. وأضاف أن الولايات المتحدة لا تستفيد كثيراً من هذه السياسة، فضلاً عن المعارضة التي تواجهها على المستوى الداخلي.
وفيما يتعلق بتخفيض الاتحاد الأوروبي للرسوم على الواردات الأمريكية، توقع نظيف أن يصدر عن التكتل رد فعل اقتصادي. وفي يونيو 2026، وافق الاتحاد على اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة، بعدما توصل ممثلو دول الاتحاد والبرلمان الأوروبي إلى اتفاق بشأن تشريع يهدف إلى إزالة الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية.
أرقام العجز التجاري وانعكاساتها
وبحسب بيانات رسمية، سجلت الولايات المتحدة خلال 2025 عجزاً في تجارة السلع بلغ 1.24 تريليون دولار، قابله فائض قدره 339 مليار دولار في تجارة الخدمات، ما أدى إلى عجز تجاري إجمالي بلغ 901.5 مليار دولار.
وتظهر الأرقام تراجع العجز التجاري مع الصين من 295 مليار دولار في 2024 إلى 202 مليار دولار في 2025. كما انخفض العجز مع الاتحاد الأوروبي من 235 مليار دولار إلى 218 ملياراً، ومع اليابان من 68 مليار دولار إلى 63 ملياراً.
في المقابل، ارتفع العجز التجاري مع تايلاند من 45 مليار دولار إلى 71 ملياراً، ومع ماليزيا من 24 مليار دولار إلى 30 ملياراً.
التفوق الصيني في التجارة الدولية
وبحسب نظيف، فإن إدارة ترامب لم تستطع مجاراة بكين في التجارة الخارجية العالمية، في ظل القدرة التنافسية الكبيرة لمنتجات الصين. وأشار إلى أنه رغم رفع الرسوم الجمركية، تبقى أسعار السلع الصينية منخفضة مقارنة بنظيراتها الأمريكية، مما يجعل تأثير الخطوة الأمريكية ضعيفاً.
وتظهر إحصاءات استمرار التفوق الصيني في التجارة الدولية، إذ انخفضت حصة الولايات المتحدة من 10.3 بالمئة في 2024 إلى 10.1 بالمئة في 2025، بينما ارتفعت حصة الصين من 12.6 بالمئة في 2024 إلى 12.8 بالمئة في 2025.
وبلغ إجمالي التجارة الخارجية الأمريكية من السلع والخدمات خلال 2025 نحو 5.5 تريليونات دولار، بواقع صادرات قيمتها 2.1 تريليون دولار، وواردات قيمتها 3.4 تريليونات دولار، وفق بيانات وزارة التجارة الأمريكية.
في المقابل، بلغ إجمالي التجارة الخارجية للصين خلال 2025 نحو 45 تريليون يوان (6.4 تريليونات دولار)، مما عزز موقعها بوصفها أكبر دولة في تجارة السلع عالمياً.
دعوة لتكتل عربي إفريقي إسلامي
واعتبر نظيف أن الثقل الاقتصادي للدول العربية والإفريقية يبقى محدوداً في التجارة الخارجية الأمريكية، موضحاً أن هذه الدول لا تمتلك القدرة الاقتصادية أو التفاوضية لمواجهة ترامب، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية، بسبب غياب تكتل فعال.
وشدد على ضرورة إقامة تكتل اقتصادي عربي إفريقي إسلامي، لتوظيفه ورقةً تفاوضية في الحرب التجارية.
ويدافع ترامب عن سياسة رفع الرسوم الجمركية باعتبارها وسيلة لتقليص العجز التجاري وحماية الصناعات الأمريكية، لا سيما قطاعات الصلب والألمنيوم والسيارات، فضلاً عن زيادة الإيرادات الجمركية.





