البداية والتدريب في صحيفة “الرياض”
استمرارًا لما نشرته الأسبوع الماضي في هذه الزاوية، كانت جولتي على جميع أقسام جريدة “الرياض” درسًا صحفيًا متكاملًا؛ إذ شاهدت عن قرب كيف تتحول المادة التي يكتبها المراسل إلى صحيفة كاملة تصل في النهاية إلى يد القارئ. أدركت خلال ذلك أن الخبر المنشور يمثل apenas حلقة واحدة في منظومة عمل متكاملة تقف خلفها جهود المحرّرين والمصحّين والمخرجين والفنيين والعاملين في الطباعة والتوزيع.
بعد انتهاء الجولة، اجتمعت مع الأستاذ تركي السديري- رحمه الله- في مكتبه لساعتين، حيث اتفقنا على تفاصيل المهمة وترتيباته. وجدت منه كل الدعم والتشجيع والثقة، وكان لهذا الأثر الكبير في تحضيري للمهمة التي أوكلت إليّ. ولم يكن هذا الأسلوب خاصًا بي فقط؛ بل لاحظت أنه نهج ثابت في تعامله مع كل الشباب الذين عملوا في “الرياض” قبلي وبعدي؛ إذ يمنح الصحفي مساحة للعمل، ويشجعه على المبادرة، ويوفّر له فرصة للتطور وإثبات الذات. لذلك ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة كثير ممن عملوا معه، لا ك رئيس تحرير فحسب، بل كداعم للطاقات الصحفية ومحفز لها.
العمل الصحفي في موسكو واللقاءات الهامة
في نفس اليوم، حضرت اجتماعًا لهيئة تحرير الأخبار المحلية، ولا أنسى حسن الاستقبال والترحيب الذي لقيته من الزملاء، وما رافقه من تقدير ترك انطباعًا طيبًا لدي منذ البداية. امتد هذا التعامل إلى مختلف أقسام الجريدة وإداراتها، فوجدت من الزملاء تعاونًا وروحًا مهنية راقية. كانت هذه البيئة المهنية المتكاملة أحد العوامل التي جعلت “الرياض” جزءًا أصيلًا من مسيرتي المهنية.
مع توسيع نطاق مهمتي، أصبح ارتباطي المهني بإدارة أخبار الشؤون السياسية والدولية أكثر حضورًا، ووضع عملي في موسكو أمامي بصورة مستمرة ملفات سياسية ودولية تحتاج إلى متابعة دقيقة، واتصال دائم بغرفة التحرير، وفهم واضح لاهتمامات الصحيفة وما تنتظره من مراسلها في الخارج.
هذه الفرصة منحتني شرف لقاء عدد من الشخصيات المهمة؛ في مقدمتهم الأمير سلطان بن عبد العزيز- رحمه الله- الذي زار موسكو في نوفمبر 2007، والأمير مقرن بن عبد العزيز في يونيو 2014، وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز-حفظه الله- الذي زار موسكو في أكتوبر 2017، بالإضافة إلى الأمير بندر بن سلطان والأمير سعود بن نايف الذي كان يرعى العديد من فعاليات كرسي الأمير نايف لتعليم اللغة العربية في جامعة موسكو الحكومية، إلى جانب عدد من الشخصيات والمسؤولين الذين التقيتهم في مناسبات مختلفة، وكان لهذه اللقاءات أثر مهم في إثراء تجربتي الصحفية والإنسانية.
كما أتاح لي عملي مراسلًا لـ”الرياض” في موسكو بناء شبكة واسعة من العلاقات المهنية مع صحفيين وإعلاميين من جنسيات وثقافات متعددة، ومتابعة عن قرب المؤتمرات الصحفية والفعاليات التي يشارك فيها كبار المسؤولين الروس، بالإضافة إلى لقاء عدد كبير من المثقّفين والأدباء والمفكرين والدبلوماسيين والسفراء العرب والأجانب.
الدروس المستفادة والتأثير على المسيرة المهنية
كانت هذه العلاقات واللقاءات جزءًا أساسيًا من طبيعة العمل الصحفي في الخارج؛ فالمراسل لا يقتصر على متابعة الأخبار ونقلها، بل يفتح له موقعه مساحة للتعرف إلى أشخاص وتجارب ووجهات نظر متعددة، ويوسّع دائرة مصادره ومعرفته، ويمنحه قدرة أكبر على فهم الأحداث في سياقها السياسي والثقافي والإنساني. شكّلت تلك السنوات في موسكو، بما شهدته من لقاءات وتجارب واتصالات، مرحلة ثرية في مسيرتي الصحفية تركت أثرًا يتجاوز ما نشرته من أخبار وتقارير إلى ما اكتسبته من معرفة وعلاقات وخبرات.
ومن الأمور التي ما زالت عالقة بذهني أنه عندما وصلت إلى موسكو وتوجهت إلى الإدارة المختصة في وزارة الخارجية الروسية لاستخراج التصريح اللازم لممارسة عملي كمراسل صحفي، كانت المفاجأة أنني كنت أول صحفي سعودي يمارس العمل الصحفي كمراسل من روسيا. أذكر هذه الواقعة ليس من باب الاستعراض، بل من باب التوثيق لتجربة مهنية أعتز بها، وللدلالة على طبيعة المرحلة التي بدأت فيها “الرياض” حضورها الصحفي في الخارج بشكل عام، وما حملته تلك المهمة من مسؤولية وثقة.
هذا، وسأستكمل في الأسبوع المقبل الحلقة الثالثة من هذه التجربة- بإذن الله تعالى.





