تراجع سعر الذهب خلال جلسة اليوم بعد موجة صعود قوية دفعته إلى أعلى مستوياته في نحو 15 أسبوعاً، مسجلاً 4697 دولاراً للأونصة. وتتحرك الأسعار حالياً دون مستوى 4600 دولار، وهو ما تراه المحللة رانيا جول، كبير محللي الأسواق في XS.com، حركة تصحيحية طبيعية لا تحولاً في الاتجاه الرئيسي، ناتجة عن عمليات جني أرباح بعد الارتفاع الحاد. وتطرح جول سؤالاً محورياً للمستثمرين: هل هذا التراجع بداية انعكاس هابط أعمق أم مجرد محطة مؤقتة قبل استئناف الصعود؟
عوامل داعمة وحساسية للسياسة النقدية
ترى جول أن البيئة الأساسية للذهب لا تزال تحمل عوامل داعمة، لكن السوق بات أكثر حساسية تجاه توقعات السياسة النقدية الأمريكية. فارتفاع التضخم، إلى جانب عدم اليقين بشأن النمو والمالية العامة وأسواق السندات، يعقد مهمة الاحتياطي الفيدرالي. وأظهرت بيانات التضخم الأخيرة استمرار الضغوط السعرية، إذ ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي إلى مستويات تتطلب الحذر، مما يفسر ترقب الأسواق الشديد لأي إشارة حول خطوة الفائدة المقبلة.
جاكسون هول محرك رئيسي للذهب والدولار
تبرز أهمية خطاب كيفن وارش في جاكسون هول بصفته أحد أهم المحركات المحتملة للذهب والدولار حالياً. الأسواق لا تبحث عن تصريحات تقليدية حول مراقبة البيانات، بل تريد فهم الرؤية المستقبلية لمسار السياسة النقدية، وتحديداً ما إذا كان الفيدرالي يميل إلى الإبقاء على الفائدة المرتفعة لفترة أطول لمواجهة التضخم، أم أن ضعف النشاط الاقتصادي قد يدفعه إلى تبني موقف أكثر مرونة. وتعتقد جول أن أي إشارة أكثر تشدداً من المتوقع قد تمنح الدولار وعوائد السندات دفعة مؤقتة وتزيد الضغوط على الذهب، بينما غياب الإشارات المتشددة أو ظهور نبرة أكثر مرونة قد يعيد الطلب سريعاً إلى المعدن النفيس.
الذهب لم يعد يتبع العلاقة التقليدية
تؤكد جول أن الذهب لم يعد يتحرك فقط وفق العلاقة التقليدية مع الدولار أو أسعار الفائدة الحقيقية. حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالديون والعجز المالي الأمريكي، أصبحت عوامل مؤثرة بصورة متزايدة في قرارات المستثمرين. لذلك، حتى في حال حصول الدولار على دعم مؤقت من تصريحات الفيدرالي، قد تظل عمليات شراء الذهب حاضرة باعتباره أداة للتحوط وملاذاً في مواجهة المخاطر المتزايدة.
من الناحية الأساسية، ترى جول أن التراجع الحالي يمثل اختباراً حقيقياً لقوة الطلب، وليس بالضرورة إشارة مبكرة إلى نهاية الاتجاه الصاعد. فالارتفاع الأخير كان سريعاً نسبياً، لذا فإن انتقال جزء من السيولة إلى جني الأرباح أمر طبيعي. كما أن اقتراب الأسعار من مستويات مرتفعة جديدة يجعل السوق أكثر عرضة لتذبذبات حادة، خصوصاً قبل الأحداث الاقتصادية الكبرى. وتشدد على أن الحكم على الاتجاه لا ينبغي أن يعتمد على حركة ساعات قليلة، بل على قدرة الذهب على الحفاظ على مستويات الدعم الرئيسية واستعادة مناطق المقاومة المهمة.
مناطق محورية ودعم ومقاومة رئيسية
تعتبر جول منطقة 4617.81–4599 دولاراً منطقة محورية لتحديد التوازن بين المشترين والبائعين، فيما تمثل 4601.95 دولاراً مستوى القيمة العادلة الذي تراقبه بشكل خاص. بقاء الذهب حول هذه المنطقة يعني أن السوق لا يزال في مرحلة اختبار، بينما العودة والاستقرار أعلى 4617.81 يحسن الصورة الإيجابية ويرفع احتمالات استهداف مستويات أعلى مجدداً. في المقابل، استمرار التداول دون هذه المنطقة يبقي الباب مفتوحاً أمام اختبار 4575–4560 دولاراً، وهي منطقة الدعم الرئيسية التي ستحدد مدى عمق التصحيح.
على الجانب الآخر، إذا تمكن الذهب من استعادة الزخم أعلى المقاومة الأولى الواقعة بين 4597 و4615 دولاراً، ثم تجاوز المنطقة المحورية والثبات فوقها، فسيكون ذلك إشارة على أن موجة جني الأرباح بدأت تفقد قوتها. وفي هذه الحالة، قد تعود الأنظار تدريجياً إلى القمم الأخيرة، مع بقاء منطقة 4693–4707 دولاراً هي المقاومة الرئيسية والأهم. اختراق هذه المنطقة والثبات فوقها سيكون تطوراً فنياً وأساسياً مهماً يعزز سيناريو استئناف الاتجاه الصاعد ويفتح المجال أمام تسجيل مستويات قياسية جديدة.
لا ينبغي تجاهل السيناريو السلبي أيضاً. فإذا جاءت تصريحات الفيدرالي أكثر تشدداً مما تتوقعه الأسواق، بالتزامن مع ارتفاع قوي في الدولار وعوائد السندات، فقد يتعرض الذهب لضغط إضافي، خصوصاً إذا فشل في الحفاظ على منطقة 4575–4560 دولاراً. لكن جول لا ترى أن مجرد كسر مؤقت لبعض المستويات يعني تحول الاتجاه بالكامل إلى هابط، بل تحتاج إلى تأكيد أساسي وفني متزامن قبل اعتبار التصحيح بداية لاتجاه هابط جديد.
تخلص جول إلى أن الذهب يقف أمام اختبار مهم، وأن جاكسون هول قد يكون العامل الذي يحدد اتجاه الحركة التالية أكثر من كونه مجرد حدث اقتصادي عابر. تميل إلى اعتبار التراجع الحالي تصحيحاً وجني أرباح داخل اتجاه لا يزال يحمل مقومات إيجابية، لكنها لا تستبعد ارتفاع حدة التقلبات قبل اتضاح موقف الفيدرالي. مفتاح المشهد يبقى في قدرة الذهب على استعادة 4617.81، بينما يمثل الحفاظ على 4575–4560 خط الدفاع الأهم للمشترين. وفي حال جاءت رسالة الفيدرالي أقل تشدداً من المخاوف الحالية، فقد نشهد عودة قوية للطلب على الذهب، وربما محاولة جديدة لاختبار منطقة 4693–4707 دولاراً. أما إذا جاءت الرسالة أكثر تشدداً، فقد يطول التصحيح قبل أن تتضح فرصة جديدة لاستئناف الاتجاه الصاعد.





