العرف القبلي والشرع الإسلامي: أصالة موروثة وعدل إلهي

28/08/2026 13:01

في إطار حديث متجدد عن العلاقة بين الموروث القبلي والشريعة الإسلامية، يطرح الكاتب محمد حسين ال دوبان الوادعي تأملات عميقة حول ضرورة أن يظل شرع الله الحكم الأعلى على أي عرف أو عادة، مع الحفاظ على القيم النبيلة التي توارثتها الأجيال.

حكم الله فوق كل حكم

يؤكد الكاتب في مستهل مقاله أن الاعتزاز بالموروث لا يعني أن كل عادة تصبح حكماً ملزماً، ولا أن قدم العادة يمنحها حق التقدم على شرع الله. ويستشهد بقوله تعالى: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ»، وبقوله سبحانه: «فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ». ويوضح أن القبيلة لها مكانتها الاجتماعية، والعرف له اعتباره، ومشايخ القبائل لهم دور مهم، ولكن كل ذلك لا يكون فوق شريعة الله، فالمرجع عند الاختلاف هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والعدل هو الميزان الذي ينبغي أن يحكم علاقات الناس.

العرف في ميزان الشريعة

يشير الكاتب إلى أن الشريعة الإسلامية لم تأت لإلغاء كل ما اعتاده الناس، بل جاءت بضوابط تحفظ الخير وتمنع الظلم. فما وافق الشرع من العرف وحقق المصلحة وحفظ الحقوق فهو من العادات المحمودة، أما إذا خالف العرف حكماً شرعياً أو أدى إلى ظلم أو أسقط حقاً، فهنا يجب أن تتوقف العادة عند حدود الشرع. وقد قرر أهل العلم أن ما وافق الشرع من الأعراف فلا حرج فيه، وما خالفه فلا يجوز جعله ملزماً للناس.

الدين قبل العادة والصلح في ميزان العدل

يحذر الكاتب من أن استمرار بعض العادات لسنوات طويلة قد يوحي للناس بأن قدمها دليل على صحتها، مستشهداً بقوله تعالى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا». ويؤكد أن الوفاء للأجداد لا يكون بمخالفة الشرع من أجل عادة، بل بالمحافظة على أجمل ما تركوه من أخلاق وقيم. وفيما يتعلق بالصلح، يذكر أن القرآن لم يذكر الإصلاح مجرداً بل قرنه بالعدل، فالصلح الحقيقي لا يكون على حساب المظلوم ولا بإهدار الحقوق، والصلح الذي يقوم على العدل إصلاح، والذي يقوم على الظلم ليس من مقاصد الشريعة.

مسؤولية مشايخ القبائل والاعتزاز دون تعصب

يخاطب الكاتب مشايخ القبائل وأهل الإصلاح، مشدداً على أن مكانتهم تحمل مسؤولية عظيمة، فالمصلح الحقيقي يجعل الحق أمامه والعدل ميزانه ورضا الله غايته. ويستشهد بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ». ويؤكد أن الاعتزاز بالقبيلة لا يعني التعصب، فالنخوة الحقيقية أن تقف مع المظلوم لا مع الظالم لأنه من قبيلتك، والوفاء الحقيقي أن تنصر الحق لا القريب في الخطأ.

واختتم الكاتب بالقول إن الأصالة ليست في التمسك بكل ما ورثناه دون مراجعة، بل في معرفة قيمة الموروث والحفاظ على الجميل منه وترك ما يخالف الشرع. ودعا إلى أن تبقى النخوة مع العدل، والإصلاح دون ظلم، ومكانة القبيلة دون تعصب، والعادات الجميلة في إطار شرع الله. وأكد أن حكم الله فوق كل حكم، وشرع الله فوق كل عرف، ولا حكم قبلي أفضل من حكم الشرع، فهذه دعوة إلى وضع كل شيء في موضعه الصحيح، فالقبيلة عز وفخر، والموروث تاريخ وهوية، والعرف وسيلة للإصلاح، ولكن شرع الله هو المرجع والعدل هو الأساس والحق هو الغاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *