تحليل: لماذا لم تلجأ روسيا إلى اغتيال زيلينسكي وهل تغير الاستراتيجية؟

30/05/2026 19:01

بعد نحو أربع سنوات ونصف السنة على اندلاع الحرب في أوكرانيا، يبرز سؤال جوهري: لماذا لم تعمد روسيا إلى اغتيال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وتصفية رموز القيادة العسكرية والسياسية في كييف؟ وفقاً لتقديرات بعض النخب الروسية، كان من شأن هذا السيناريو أن يضعف عزيمة المقاومة الأوكرانية، ويفاقم الخلافات الداخلية، ويضع العالم أمام واقع جديد. لكن الرئيس فلاديمير بوتين لم يتخذ هذا القرار الحاسم.

الزعيم الذي يتربع على عرش الكرملين منذ 26 عاماً، واجه خصومه خلال تلك الفترة أقداراً غامضة. فقد لاحق الموت كل من وجه سلاحه أو نشاطه السياسي ضده، بدءاً من أصلان مسخادوف في الشيشان عام 2005، مروراً بألكسندر ليتفينينكو (2006)، وبوريس بيريزوفسكي (2013)، وبوريس نيمتسوف (2015)، وصولاً إلى يفغيني بريغوجين في 2023، ثم ألكسندر نافالني في العام التالي. باستثناء مسخادوف الذي قتل خلال مواجهات عسكرية في حرب الشيشان الثانية، تبرأ الكرملين من دم كل المعارضين الآخرين، لكن الأقدار بدت دائماً في صف الزعيم القوي.

السؤال المحوري هنا: لماذا لم يحسم بوتين قراره تجاه زيلينسكي حتى الآن؟ وهل يحمل التهديد الروسي الحالي بتقويض مراكز صنع القرار في أوكرانيا إشارات إلى تبدل محتمل في موقف الكرملين حيال سياسة “قطع الرأس” التي دعا إليها رموز معسكر “الصقور” في روسيا؟

إزاحة زيلينسكي.. مطالب قديمة

بدأت المطالبات بإزاحة الرئيس الأوكراني المتهم في موسكو بقيادة “عصابة نازية” في وقت مبكر بعد اندلاع الحرب. عبر جزء مهم من النخب السياسية والأمنية والعسكرية عن قناعة بضرورة توجيه ضربة حاسمة تستهدف أركان القيادة الأوكرانية. وارتفعت الأصوات عند منعطفات ميدانية حاسمة، أو بعد ضربات موجعة تعرضت لها موسكو، مثل هجوم المسيرات الذي استهدف الكرملين مباشرة في عام 2023، أو نجاح الهجوم الأوكراني المباغت في منطقة كورسك الذي أسفر عن سيطرة القوات الأوكرانية على مساحات شاسعة داخل الأراضي الروسية، واحتاجت موسكو بعد ذلك نحو 8 أشهر ومساعدة من الوحدات الخاصة في كوريا الشمالية لطرد المتوغلين.

في عام 2023، وصف نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري ميدفيديف، وهو من أبرز “الصقور” الذين دعوا لاستخدام الترسانة النووية، التصفية الجسدية لزيلينسكي و”زمرته” بأنها الخيار الوحيد أمام روسيا. كانت موسكو لم تستفق بعد من صدمة هجوم المسيرات على الكرملين، الذي صُنف كمحاولة اغتيال مباشرة لبوتين. قال ميدفيديف آنذاك: “لم يتبقَّ أي خيار سوى التصفية الجسدية لزيلينسكي وفريقه، حتى إنه ليس مطلوباً منه توقيع وثيقة الاستسلام غير المشروط. هتلر، كما نعلم، لم يوقعها أيضاً. سيتم دائماً إيجاد بديل، لإعلان الاستسلام وتوقيعه”.

في السياق نفسه، وصف رئيس مجلس النواب (الدوما) فياتشيسلاف فولودين، زيلينسكي بأنه “إرهابي دولي”، وأكد أن البرلمان “سيطالب (الرئيس) باستخدام أسلحة قادرة على إيقاف وتدمير نظام كييف الإرهابي”، في إشارة إلى استخدام أسلحة غير تقليدية لحسم الحرب. تكررت هذه الدعوات كثيراً خلال الفترات اللاحقة، وشكلت دائماً “الخيار النهائي” لإجبار أوكرانيا على السلام. لكن اللافت أن جزءاً من النخب الروسية رأى أن هذا السيناريو كان يجب استخدامه في بداية الحرب، عندما جاءت النتائج الأولى بعد أشهر عدة مخالفة لتوقعات الكرملين بحرب خاطفة وحاسمة، أي أنه كان ينبغي عدم السماح بتحويل المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة مكنت الأوكرانيين من حشد قدراتهم ومنحت فرصة للأوروبيين والغرب لتشكيل تحالف قوي.

زيلينسكي الضعيف أفضل من زيلينسكي الميت

يرى خبراء أن إحجام الكرملين عن الحسم المباشر باستهداف القيادة الأوكرانية له أسباب عدة، بينها تجارب روسيا في صراعات سابقة، وتشعب المواجهة في أوكرانيا وامتدادها إلى أوروبا ومناطق أخرى، وانعكاساتها المحتملة على العلاقات مع الجيران في الفضاء السوفياتي السابق. في هذا الإطار، يتذكر البعض أن إزاحة مسخادوف بعملية اغتيال موجهة أسفرت عن إطالة أمد الحرب الشيشانية الثانية لسنوات، وباتت روسيا تواجه ليس “رئيساً منتخباً قادراً على الجلوس إلى طاولة المفاوضات؛ بل مجموعة من الإرهابيين والمتشددين المتطرفين للغاية مثل شامل باسايف وأنصاره”.

العنصر الثاني المهم هو أن اغتيال زيلينسكي وبعض رموز قيادته في وقت مبكر كان سيجعله “بطلاً قومياً” ورمزاً للإلهام لمواجهة روسيا لعقود مقبلة، كما كتبت الصحافية الأوكرانية ديانا بانشينكو. رأت الصحافية المعارضة حالياً لزيلينسكي أنه “لو أن روسيا قضت على زيلينسكي قبل عامين، لما تغير شيء، لكنه كان سيصبح بطلاً قومياً لأوكرانيا لقرون، وكان سيُخلّد اسمه، وكان الشعب الأوكراني سيقاتل باسم تضحيته. وكان العالم أجمع سيُحيي ذكراه بوصفه شهيداً”. في المقابل، فإن تضييق الخناق عليه ومحاصرته بالأزمات وتسهيل عمليات فساد في الداخل، بدت سياسة أكثر جدوى للكرملين لإضعاف زيلينسكي، وتحويله إلى “قائد لرزمة من الفاسدين الذين يُحمّلهم جزء واسع من الشعب الأوكراني قدراً من المسؤولية عن المأساة”.

زيلينسكي الضعيف الذي يستجدي المساعدات الغربية، ويُحاصَر بالأزمات، وفقد جزءاً من شرعيته لعدم نجاحه في ترتيب انتخابات رئاسية بعد انتهاء ولايته في مايو 2024، أفضل لروسيا من زيلينسكي “البطل القومي الذي واجه الغزو الروسي بشجاعة”. يُضاف إلى ذلك تبدل المزاج العام حيال زيلينسكي في بعض عواصم القرار. الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه لا يرتبطون مع زيلينسكي بعلاقة وثيقة، خلافاً للإدارة السابقة، وقد وصفه مراراً بأنه عقبة في طريق السلام. جزء مهم من مباحثات روسيا مع الوسيط الأميركي ركز على أنه لا دور مستقبلاً لزيلينسكي في “اليوم التالي”، وأن بين شروط السلام إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أوكرانيا تُبعد الرئيس وفريقه عن المشهد السياسي.

في وقت سابق، وصف ترمب زيلينسكي بأنه “ممثل كوميدي ناجح إلى حد ما”، و”ديكتاتور بلا انتخابات”، ونصحه “بالتحرك بسرعة، وإلا فلن يبقى له بلد”. صرّح ترمب مراراً بأن الوقت قد حان لإجراء انتخابات في أوكرانيا، مشيراً إلى أن السلطات تستخدم العمل العسكري لتجنب إجراء استفتاء. في هذا الإطار، زعم عالم السياسة يوري بارانتشيك أن زيلينسكي قد يُعزل (أو يقتل) من قبل السلطات الأميركية أو البريطانية، وهو أفضل من أن تفعل روسيا ذلك بنفسها.

العنصر الآخر المهم لروسيا في مسعى تقويض صورة زيلينسكي بدلاً من اغتياله يكمن في رد الفعل المحتمل في الفضاء السوفياتي السابق، حيث يهدد سيناريو أوكرانيا بالتحول إلى شبح يؤرق مستقبل علاقات موسكو مع جيرانها. استهداف القيادة الأوكرانية كان سيعني التفافاً شعبياً أوسع حول السياسيين الذين يمكن أن يظهروا تحدياً للكرملين. بدا ذلك واضحاً في مثال أذربيجان التي خرجت من عباءة “الشقيق الأكبر”، وأرمينيا التي تحاول اللجوء إلى تكامل واسع مع أوروبا، ناهيك بوضع مماثل في جورجيا وبعض جمهوريات آسيا الوسطى.

التصعيد الروسي المحتمل

رغم كل ذلك، عاد الحديث عن احتمال التحرك الروسي الحاسم لتقويض أركان القيادة الأوكرانية إلى الواجهة أخيراً، بعدما لوحت موسكو بسيناريو التصعيد القاتل وطالبت الغرب بسحب دبلوماسييه من كييف، موحية بأن خيار “الحسم النهائي” يقترب بقوة؛ وفقاً لسكرتير مجلس الأمن القومي سيرغي شويغو المقرب جداً من بوتين. يرى خبراء أن عنصرين أساسيين يضغطان على موسكو حالياً لتصعيد المواجهة؛ أولهما تزايد التقارير عن تحضيرات أوكرانية لهجوم مضاد قوي، بعدما نجحت كييف في تعديل كفة خسائرها الميدانية عبر تطوير قدرات حديثة في مجالات مثل المسيرات الهجومية وأجهزة تعطيل الرادارات. استمرار استهداف المرافق الأساسية داخل العمق الروسي أسفر عن تقليص فوائد روسيا من ارتفاع أسعار النفط، وإصابة مطارات رئيسية بالشلل، مع التهديد المتفاقم بشن هجوم قوي لتحسين أوراق كييف التفاوضية.

العنصر الثاني الضاغط على موسكو يكمن في تفاقم المخاوف الروسية من تحول أوروبا إلى تهديد طويل الأمد، مع زيادة الإنفاق العسكري والتحول نحو العسكرة واستمرار تقديم المساعدات لأوكرانيا. لم تكن صدفة أن يصف معسكر الصقور الروسي أوروبا بأنها “تتحول بسرعة إلى تكتل عسكري أكثر خطورة وتهديداً على روسيا من حلف شمال الأطلسي”. في هذا الإطار، بدا التلويح الروسي بتصعيد قوي يستهدف تقويض مراكز صنع القرار في أوكرانيا موجهاً بشكل جدي إلى الولايات المتحدة، لتسريع التدخل لوضع التسوية السياسية على سكة التنفيذ الفعلي بعد غياب واشنطن لأشهر بسبب انشغالها بحرب إيران. ظهرت نتائج أولية لذلك من خلال إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف نيته زيارة موسكو قريباً لإحياء جهود التسوية، وإعلان وزير الخارجية ماركو روبيو خلال زيارته الهند أن واشنطن ستعمل على تخفيف حدة التوتر ومحاصرة التصعيد المتوقع.

تجربة إسرائيل وثلاثة سيناريوهات

مع العناصر الضاغطة على موسكو للتصعيد، برز تطور مهم قد تكون له تأثيرات على آلية تفكير جزء من النخب السياسية والعسكرية، تمثل في دروس الهجمات الإسرائيلية المتواصلة في غزة، ثم لبنان، وبعد ذلك إيران. يرى محللون أن الاستراتيجية الإسرائيلية التي قامت على قطع رأس الخصم، وبالتالي إضعافه داخلياً وشل قدراته على السيطرة والحكم، قد تشكل درساً مهماً يمكن الاحتذاء به في حال دفعت الضرورات روسيا لذلك. مع أن هذه النظرية تبدو متأخرة نسبياً، فإن بعض المحللين يرى ضرورة دراستها وفحص مجالات تبنيها بشكل كامل أو جزئي لحسم المعركة لصالح روسيا.

بهذا المنطق، ومع المحاذير المتعلقة بهذا الأمر، يضع البعض ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور الموقف: أولها، وهو الأضعف وفقاً لتقديرات محللين، أن تذهب موسكو فعلياً لتنفيذ تهديدها بتقويض مراكز القيادة والسيطرة الأوكرانية في حال شعرت بأنها تواجه خطراً داهماً بتعديل كفة الصراع لصالح أوكرانيا وحلفائها في أوروبا، وهنا يدخل انشغال الإدارة الأميركية أو ترددها في لعب دور حاسم. الثاني يكمن في مواصلة التلويح بخيار الحسم العسكري النهائي، بما في ذلك التهديد بالقوة النووية التكتيكية بهدف إرباك الموقف الأوروبي وزيادة المخاطر بقدر محسوب، من دون الانزلاق نحو توسيع مواجهة مباشرة، ودفع واشنطن إلى تسريع خياراتها بالتدخل، وهنا تدخل التدريبات النشطة على السلاح النووي التكتيكي في بيلاروسيا، وزيادة استخدام الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية مثل صاروخ “أوريشنيك” متوسط المدى. السيناريو الثالث يتعلق بعودة متأخرة لسيناريو تنفيذ عملية استخباراتية لاستهداف زيلينسكي وبعض أركان حكمه، على أن يبدو ذلك انقلاباً داخلياً أو تدخلاً غربياً مباشراً لحسم مسار السلام، وفي هذه الحال ستواجه موسكو تبعات اليوم التالي حتى لو لم يثبت تورط أجهزتها الاستخباراتية بشكل مباشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *