الفيصل يرفض التشكيك في اتفاقية مكة ويؤكد أهميتها الاستراتيجية

مقدمة

رد الأمير تركي الفيصل على ما وصفه بالتأويلات غير الواعية حول أبعاد اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان، مؤكدًا أن توقيع الاتفاقية لفت انتباه المجتمع الدولي وتعددت الآراء حول أهميتها ودلالاتها الاستراتيجية.

رؤية الفيصل حول الاتفاقية

في مقاله المنشور بصحيفة «الشرق الأوسط» اليوم الجمعة، أوضح أن بعض الأصوات شككت في جدوى الاتفاقية وقابليتها للتطبيق، ورأت أنها تستهدف كبح طموحات دول معينة أو أنها ذات طابع مذهبي، متجاهلة أنها pact دفاعي لا يستهدف أي دولة على أساس مذهبي، مضيفًا أن من يشكك في قيمتها إما يضمر شرًا لهذه الدول أو يخطط لاستهدافها مستقبلاً.

التكامل الاستراتيجي للدول الثلاث

أكد الفيصل أن إقامة تحالفات لمواجهة التهديدات الأمنية والعسكرية الحالية أو المتوقعة هو حق مشروع للدول وفق القانون الدولي وممارسة معتادة في تاريخ العلاقات الدبلوماسية، مشيرًا إلى أن التحالفات تُشكل بين دول مسؤولة تتفق في تقييمها للتهديدات التي تهدد أمنها واستقرارها ومجالها الجيواستراتيجي.

وبيّن أن الدول الموقعة على «اتفاقية مكة» تتفق في هذه القراءة، بالنظر إلى الحروب التي تشهد المنطقة وما قد تتركه من فراغ استراتيجي واختلال في توازن القوى ونظام إقليمي ساد لعقود، والمرتبط بالحماية الدولية لمنطقة تمثل أمنها واستقرارها ضرورة عالمية نظرًا لأهميتها الجيواقتصادية وموقعها المحوري وتاريخها السياسي.

وأشار إلى أن الدول الثلاث تتمتع بأهمية جيواستراتيجية، وأن قدراتها تتكامل ما يمكنها من إعادة التوازن الاستراتيجي في المنطقة وملء أي فراغ قد تخلفه صراعاتها، معتبرًا أن التحالف يمكن أن يلعب دورًا رئيسيًا في التصدي للتهديدات الراهنة والمستقبلية، مع فتح الباب أمام انضمام دول أخرى تشارك نفس الأهداف.

دور السعودية في التحالف

رفض الفيصل حصر قيمة المملكة في التحالف على قدرتها المالية وسعيها لضمان أمنها، مؤكدًا أن أهميتها الجيواستراتيجية لا تقل عن شركائها بل قد تتفوق عليها.

وأوضح أن الموقع الجيوسياسي للمملكة جعلها محط أنظار الدول التي تسعى لكسب دعمها وتأييدها، استنادًا إلى مجموعة من المقومات تشمل موقعها الجغرافي الاستراتيجي، ومكانتها الدينية، ومواردها النفطية، وقوتها المالية، واعتدال سياساتها، ودورها الدبلوماسي، وعلاقاتها الدولية، وقدراتها العسكرية.

وبيّن أن الموقع الجغرافي للمملكة، التي تشغل معظم مساحة شبه الجزيرة العربية، يربط بين ثلاث مناطق رئيسية هي الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، كما تمتلك سواحل على البحر الأحمر والخليج العربي، ما يضعها بالقرب من أهم طرق التجارة البحرية والطاقة في العالم.

وأكد أن هذا الموقع يمنح المملكة تأثيرًا في البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط وأفريقيا، ودورًا في أسواق الطاقة العالمية والأمن البحري وموازين القوى في الخليج العربي والشرق الأوسط والعلاقات بين القوى الكبرى.

وأضاف أن إغلاق مضيق هرمز أبرز أهمية موقع المملكة على البحر الأحمر، وجاهزية موانئها وبنيتها التحتية لتوفير بديل لإمدادات الطاقة، فضلًا عن دورها كمركز لوجستي للإمداد وسلاسل التوريد العالمية.

النقطة النفطية ورؤية 2030

أشار الفيصل إلى أن النفط يمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية للمملكة، التي تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط المؤكدة عالميًا وتعد من أبرز المنتجين والمصدرين في منظمة «أوبك»، إلى جانب امتلاكها طاقة إنتاجية فائضة تتيح لها زيادة الإنتاج أو خفضه بسرعة مقارنة بالعديد من منافسيها.

وأوضح أن هذه الطاقة تمنح الرياض نفوذًا مؤثرًا في إمدادات النفط العالمية وأسعاره، وأن قرارات الإنتاج السعودية يمكن أن تنعكس على التضخم وتكاليف النقل والإيرادات الحكومية والنمو الاقتصادي في الدول المتقدمة والنامية، معتبرًا أن المملكة ليست مجرد مصدر للنفط بل لاعب رئيسي في إدارة أسواق الطاقة العالمية.

ولفت إلى أن المملكة تعمل، بفضل رؤية 2030، على تحويل ثروتها النفطية إلى نفوذ اقتصادي وتكنولوجي ومؤسسي مستدام، من خلال التوسع في قطاعات الاستثمار والسياحة والترفيه والخدمات اللوجستية والتصنيع والتعدين والطاقة المتجددة والنووية والإنتاج الدفاعي وغيرها.

المكانة الدينية والدبلوماسية

وأكد أن المكانة الدينية للمملكة تمثل أحد أهم مصادر قوتها الجيواستراتيجية، لاحتضانها قبلة المسلمين وأقدس مدينتين يتوجه إليهما ملايين المسلمين سنويًا لأداء الحج والعمرة والزيارة، ما يمنحها مكانة دولية لا تملكها أي دولة أخرى.

وأوضح أن تنظيم وإدارة وحماية الأماكن المقدسة، وهو تشريف للمملكة وواجب عليها، أسهم في بناء علاقات واسعة ومتجذرة مع الحكومات والمجتمعات والمنظمات الإسلامية في أفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكتين.

وأشار إلى أن هذه المكانة تتيح للمملكة أن تكون صوتًا إسلاميًا فاعلًا، بوصفها قوة عربية ومركزًا إسلاميًا ومنتجًا رئيسًا للطاقة، إلى جانب امتلاكها اقتصادًا قويًا وعضوية فاعلة في المنظمات الدولية والإقليمية، ومن بينها مجموعة العشرين.

وفي سياق العلاقات الدولية، قال الفيصل إن المملكة ترتبط تاريخيًا واستراتيجيًا بالولايات المتحدة، إلى جانب علاقات شراكة متعددة الأوجه مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي وأغلبية دول العالم، باستثناء «الكيان الصهيوني»، موضحًا أن هذه العلاقات تقوم على المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة بما يخدم أمن المملكة واستقرار منطقتها وفضاءها الحيوي.

وأكد أن المملكة تدير علاقاتها الدولية ودبلوماسيتها بحكمة وثقة ومصداقية، وتعمل على تسوية النزاعات والحروب في المنطقة، وتوظف دبلوماسيتها لدعم القضية الفلسطينية والخروج من أزمات الحروب التي تشهدها المنطقة.

وأشار إلى أن هذا النهج جعل المملكة فاعلًا استراتيجيًا مهمًا في نظام دولي مضطرب يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية القطبية.

واختتم الفيصل مقاله بالتأكيد على أن المملكة، مهما بلغت أهميتها الاستراتيجية، تعمل بثقة نحو المستقبل وتوظف مصادر قوتها وأهميتها لبناء قوتها الذاتية، معتبرًا أن التحالف يمثل قيمة مضافة لتحقيق أمنها واستقرارها ودعم خططها الطموحة نحو منطقة أكثر أمنًا واستقرارًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *