حمص، إسطنبول / نبيهة الطه وليث الجنيدي / الأناضول
بعد سنوات قضاها بعيداً عن منزله في مدينة حمص، استعاد السوري عبد الله مصطفى خالد علوان مكتبته التي أخفاها خلف جدار قبل نزوحه، خوفاً عليها من ظلم النظام السابق. وعند عودته، وجدها سليمة رغم أن منزله تعرض للحرق.
مكتبة تروي حكاية صمود
انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع مصوّر يوثق لحظة استعادة علوان (72 عاماً)، المعروف بـ”أبو بلال”، لكتبه. وروى الرجل لوكالة الأناضول قصته مع هذه الكتب التي نجت بفضل إخفائها وراء جدار.
لم يبادر علوان إلى فتح المخبأ فور عودته إلى حمص بعد سقوط النظام؛ فقد لاحظ أن الجدار ما زال سليماً، لكنه فضّل إبقاء الكتب خلفه إلى أن يُصلح منزله ويجهّز مكاناً ينقلها إليه.
في المقطع، يظهر الرجل السبعيني وهو يزيل أجزاء من الجدار، لتظهر ألواح كرتون تخفي رفوفاً متراصة من المجلدات. وعند إزاحتها، تكشف المكتبة التي تركها يوم اضطر إلى الرحيل، دون أن يعرف إن كان سيرها مجدداً.
اليوم، يجلس علوان بين كتبه ويقول للأناضول: “الخوف من ظلم النظام وإرهابه هو ما دفعني لإخفائها. المكتبة غالية عليّ، وهي رصيد وكنز عندي”.
لا يمكن التفريط بها
بدأت القصة بمشاركة علوان في المظاهرات المناهضة للنظام عام 2011، ثم تحوّلت الأوضاع أواخر تلك السنة نحو العمل المسلح، ومغادرة سكان حارته منازلهم، بحسب روايته.
وأثناء استعداده للنزوح، شغله مصير مكتبته؛ إذ لم يكن قادراً على نقلها معه أو إيداعها لدى أحد، ولم يطمئن إلى تركها في منزل بات نشاط صاحبه معروفاً.
ويقول علوان: “كانت المكتبة أغلى ما لديّ. لم أكن أرغب قط في التفريط فيها، ولا أستطيع ذلك مهما حدث”.
للمكتبة مكانة تتجاوز مجرد اقتناء الكتب؛ فهي مرجع له ولأبنائه الذين درسوا العلوم الشرعية، ومنهم ابنه الأكبر بلال، الحاصل على الدكتوراه في الحديث الشريف والسنة النبوية من الأزهر، وفق والده.
تضم المكتبة تفاسير للقرآن، ومجموعات حديث، وسيراً للصحابة، وكتباً في التاريخ الإسلامي وما قبل الإسلام، إلى جانب مؤلفات ثقافية واجتماعية، وإن كان معظمها مراجع شرعية.
يربط علوان خوفه عليها بما عايشه من تضييق على ارتياد دروس العلم في المساجد في عهد النظام المخلوع، مستذكراً أخذ هويات الحاضرين عند أبواب المساجد ومراقبتهم، وفق قوله. وأضاف: “كان هناك كبت وظلم، وكنا دائماً تحت المراقبة”.
ومع مشاركته في المظاهرات، خشي إحراق المنزل بما فيه، وقال: “إذا تركتها هنا، فسيحرقون المنزل ويحرقونها معه”.
جدار يخفي المكتبة
في شقة ابنه الواقعة فوق منزله مباشرة، وجد علوان مكاناً يصلح لإخفاء الكتب. اختار جزءاً من إحدى الغرف، ووضع فيه المكتبة، وغطاها بالكرتون لحمايتها من الرطوبة، ثم بنى أمامها جداراً، بمساعدة عدد من شباب الحي.
لم يكتف بإغلاق المكان؛ فكسا الجدار وطلاه حتى ينسجم مع الغرفة، وغيّر الحواف السفلية لجدران الغرفة كلها ولوّنها بالأسود، حتى لا تكشف تفاصيل البناء وجود المخبأ.
ويقول إن ذلك جرى في اللحظات الأخيرة قبل النزوح وإفراغ الحي، وإن المساحة لم تتسع لجميع الكتب، فبقي قسم منها في المنزل. وحين انتهى من العمل، ترك المكتبة دون أن يعرف إن كان سيعود إليها، مستذكراً أنه قال آنذاك: “من بقي له عمر سيعود. إن لم نجدها فقد فعلنا ما علينا، والباقي على الله”.
بيت محترق
نزح علوان إلى ريف حمص الشمالي، وبقي هناك حتى عام 2018، ثم انتقل إلى الشمال السوري، فيما ظلت كتبه خلف الجدار طوال سنوات غيابه.
عقب سقوط النظام المخلوع، عاد إلى حمص، وصلى في مسجد خالد بن الوليد، ثم توجه إلى منزله الذي وجده محروقاً. ويقول علوان إن قوات النظام المخلوع أحرقته بما بقي فيه من كتب وأثاث.
لكنه حين صعد إلى الشقة العلوية، وجد الجدار الذي أخفى خلفه المكتبة باقياً كما تركه. ويعتقد أن الضرر في الشقة العلوية كان أقل لأن قوات النظام لم تكن تعرف أنها تعود إلى أسرته، إذ كان شراؤها حديثاً قبل النزوح.
ومع فرحته ببقاء الجدار، لم يبادر إلى هدمه؛ فالمنزل المحروق يحتاج إلى إصلاح، وأبناؤه يقيمون في مساكن مستأجرة متفرقة، ولم يكن لديه مكان ينقل الكتب إليه. أصلح الشقة العلوية وأقام فيها، وأبقى المكتبة في مخبئها إلى أن تمكن من تجهيز مكان لها.
ويقول إنه بدأ ترميم منزله قبل نحو أربعة أشهر من المقابلة، وأنهى الأعمال قبل نحو عشرين يوماً منها، ثم شرع في نقل الأثاث وتجهيز الغرفة التي ستستقبل الكتب.
وكان سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 قد فتح باب العودة أمام لاجئين ونازحين سوريين، وجد بعضهم منازلهم مدمرة والخدمات متضررة في مناطقهم. وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في بيان في 20 يونيو/ حزيران 2025، ضرورة دعم إعادة تأهيل المنازل والمدارس والبنية التحتية والخدمات الأساسية، لمساعدة العائدين على الاستقرار.
الله حفظها
بعد تجهيز المكان، بدأ علوان هدم الجدار الذي بناه قبل الرحيل، حتى ظهرت المكتبة خلفه. ويستعيد لحظة العثور عليها قائلاً: “بفضل الله وجدناها نظيفة.. ما أجملها!” ويضيف: “وجدت ما أحببت أن أحافظ عليه، وقد حفظه الله لي”.
في منزله، تمتد رفوف الكتب حوله، بينما يقلب صفحات أحد المجلدات، ويشير إلى مجموعات باتت متاحة للقراءة بعدما ظلت محجوبة طوال غيابه.
وبدأت المكتبة تستعيد دورها مرجعاً للأسرة؛ إذ يقول علوان إن أحد أبنائه أخذ نحو 50 إلى 60 مجلداً ليستعين بها، ويأخذ المزيد كلما زاره.
وبعد سنوات انشغل خلالها بكيفية حماية كتبه، صار علوان يتطلع إلى من سينتفع بها، قائلاً: “إن شاء الله، يظل هؤلاء الشباب ينتفعون بها، وتنتفع بها الأمة”.





