التحكم الرقمي في مؤسسات التعليم العالي العربي: دراسة شاملة تكشف آليات الاستبداد الجديد

اعتمدت الدراسة الميدانية الأخيرة على استبيان شمل 296 باحثاً من خمس عشرة دولة عربية، إلى جانب 16 مقابلة متعمقة وتحليل حالتين في جامعتين خاصتين في مصر والأردن. هدفت هذه الجهود إلى رسم خريطة تفصيلية للقيود الرقمية التي تعيد تشكيل طريقة إنتاج المعرفة في المنطقة.

مفهوم الاستبداد الرقمي الأكاديمي

يُعرَّف الاستبداد الرقمي في السياق الأكاديمي على أنه الاستخدام المنهجي للتقنيات الرقمية كأداة لفرض سيطرة سياسية أو مؤسسية على البيئة الجامعية. تتجلى هذه السيطرة عبر طبقات متعددة تشمل الرقابة الصريحة، المراقبة غير المرئية، تلاعب المعلومات، وتقييد الوصول إلى المصادر المعرفية. يختلف هذا النموذج عن الرقابة التقليدية بثلاث سمات رئيسية.

ثلاث سمات جوهرية

الأولى: الانتقال من الرقابة الخارجية إلى الرقابة الذاتية المتكاملة. فبدلاً من حجب المحتوى بصورة مباشرة، تُنشئ الأنظمة الرقمية بيئة يفرض فيها احتمال المراقبة سلوكاً ذاتياً للباحثين، ما يشبه ما صاغه ميشيل فوكو بـ«البانوبتيكون الرقمي».

الثانية: استبدال القمع الصريح بالهيمنة الخوارزمية اللينة. لم تعد الحاجة إلى منع الأبحاث النقدية صريحة، بل تُستَغل الخوارزميات لتهميش المحتوى المحلي وتفضيل الأبحاث المنشورة بالإنجليزية في دوريات غربية رفيعة المستوى، مع ربط الترقيات الأكاديمية بمؤشرات تجارية مثل Scopus وWeb of Science.

الثالثة: التحول من الحصار المعلوماتي إلى تسليع المعرفة. أصبحت المعرفة سلعة تحت سيطرة دور النشر الكبرى، ما يولد «حصاراً اقتصادياً» يبعد الباحث العربي عن أحدث التطورات دون الحاجة إلى حجب صريح.

منهجية البحث وبياناته

استخدم الباحثون منهجاً مختلطاً بتصميم تسلسلي تفسيري. جُمعت البيانات الكمية عبر استبيان إلكتروني شمل 296 أكاديمياً (64.2% ذكور، 58.1% فوق الخمسين، 86.5% من تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية). تلت ذلك مقابلات معمقة مع 16 باحثاً من 11 دولة، فضلاً عن دراسة حالتين مقارنة لجامعتين خاصتين في مصر والأردن. عُلِم التحليل الإحصائي باستخدام برنامج SPSS النسخة 31، بينما اُستَخدم NVivo 12 للتحليل النوعي. نظراً لحساسية الموضوع، تم الالتزام بأعلى معايير الحماية الأخلاقية، بما فيها إخفاء الهوية وتشفير البيانات.

النتائج الكمية: خريطة الاستبداد الرقمي

أظهر الاستبيان أن 76.3% من الأكاديميين العرب يمارسون رقابة ذاتية على أبحاثهم وتصريحاتهم (متوسط 3.77 من 5)، ما وضع هذه الظاهرة في صدارة مظاهر الاستبداد الرقمي. أبرز الفجوة ظهرت بين ما تحظره الجامعات رسمياً وما يتجنبه الباحث طوعاً: في موضوع الدين، يُمنع 40.2% رسمياً بينما يتجنبه 56.1% ذاتياً (+15.9%). بالنسبة للسياسة، النسبة الرسمية 43.9% مقابل 54.5% ذاتياً (+10.6%). وفي قضايا الجندر، 27% حظر رسمي مقابل 35.5% تجنّب ذاتي (+8.5%). هذه الفجوات تدل على أن «المراقب الداخلي» أكثر فاعلية من الرقابة المؤسسية.

المراقبة المؤسسية والحصار الاقتصادي

أشار نصف المستطلعين إلى شعورهم بأن المحتوى الذي يرفعونه على المنصات التعليمية يخضع لفحص مؤسسي. وكشفت دراستان الحالة في مصر والأردن عن سياسات تقنية تمنح إدارات الجامعات صلاحيات مطلقة للوصول إلى البريد الإلكتروني والملفات الشخصية دون إشعار مسبق، ما يُنشئ «بانوبتيكون مؤسسي» لا يتطلب مراقبة مستمرة.

من الناحية الاقتصادية، سجل ارتفاع تكلفة الاشتراكات في قواعد البيانات أعلى متوسط بين جميع العوائق (3.96 من 5)، حيث اعتبره 82.7% عائقاً جوهرياً. يُظهر هذا الحصار الاقتصادي شكلًا من أشكال «الحجاب المقنَّع» الذي يعزل الباحث العربي عن المستجدات العالمية دون إحداث ضجة سياسية.

كما أظهر التحليل أن التمويل البحثي سجل أدنى معدل في مؤشرات الحرية الأكاديمية (2.47)، ما يوضح أن السلطات تميل إلى تجفيف الموارد المالية بدلاً من المنع الصريح لتوجيه أبحاث العلماء.

الهيمنة الخوارزمية وثقة الباحثين

أظهرت النتائج وجود فجوة ثقة ملحوظة: 59.5% من الأكاديميين لا يثقون في موثوقية نتائج الذكاء الاصطناعي لدعم أعمالهم (متوسط 2.50)، بينما 60.8% يقرون بأن الشركات الكبرى تتحكم في اتجاهات البحث عبر الخوارزميات. يوضح هذا التناقض أن الباحثين يدركون التحيز الخوارزمي لكنهم يفتقرون إلى القدرة على مقاومته، نظراً لارتباط الترقيات والتمويل بالنشر في الدوريات المفهرسة تجارياً.

نتائج نوعية: أصوات من الميدان

أظهر التحول الإبستمولوجي القسري في المقابلات تحولاً عميقاً في طبيعة الأسئلة البحثية. صرح أحد الأكاديميين المصريين: «لم نعد نسأل لماذا يحدث الفقر؟ بل نسأل كيف يتكيف الفقراء مع الفقر». يوضح هذا الانتقال من الأسئلة النقدية إلى الأسئلة الوصفية التكييفية استيلاء الاستبداد الرقمي على إنتاج «معرفة مؤمنة» بدلاً من «معرفة محررة».

من جهة أخرى، عبّر أكاديمي لبناني عن شعوره بالاغتراب الرقمي قائلاً: «تحولت من باحث ينتج معرفة لمجتمعه إلى «مزوّد بيانات» لمنصات التصنيف العالمية. الآن يهمني أولاً هل سيقبل البحث في مجلة مفهرسة…» هذا يعكس تحولاً بنيوياً في وظيفة الجامعة من مؤسسة عامة تخدم المجتمع إلى مؤسسة نيوليبرالية تسعى وراء المؤشرات.

كما كشف أحد الأكاديميين العراقيين عن «شخصية رقمية مزدوجة»: «لدي حسابان على تويتر؛ الأول باسمي الحقيقي لنشر أبحاثي بحذر، والثاني باسم مستعار لأعبر عن آرائي السياسية بحرية». هذا الانقسام يُظهر عدم قدرة الفضاء الأكاديمي العربي على احتواء التنوع الفكري.

آليات الرقابة في الجامعات المصرية والأردنية

حددت دراسة الحالة ثلاث آليات مؤسسية للاستبداد الرقمي: أولاً، الصلاحيات المطلقة لإدارات تكنولوجيا المعلومات التي تتيح لها الوصول إلى أي محتوى رقمي لأغراض أمنية أو إدارية دون معايير واضحة؛ ثانياً، لجان الأخلاقيات التي تُستَخدم أحياناً كأداة رقابة ناعمة لحجب أبحاث حساسة بحجة «حماية الباحث»؛ ثالثاً، ربط الترقيات الأكاديمية حصراً بالنشر في قواعد Scopus وWeb of Science، ما يجعل خوارزميات الشركات الغربية هي الحاكمة الفعلية لتقدم الباحثين.

نموذج الاستبداد الرقمي المركب

توصل الباحثون إلى تعريف نمط فريد يمكن تسميته «الاستبداد الرقمي المركب»، يتألف من ثلاث طبقات متداخلة: الطبقة الأولى تمثل الاستبداد المحلي حيث تفرض الدولة والمؤسسات الجامعية رقابة مباشرة على موضوعات الدين، السياسة والجندر باستخدام أدوات قانونية ورقمية؛ الطبقة الثانية هي الاستبداد العالمي الذي تفرضه الشركات التقنية الكبرى عبر خوارزميات تُهمّش المحتوى العربي واللغة العربية؛ الطبقة الثالثة هي الاستبداد البنيوي الذي يُظهر نفسه من خلال الحصار الاقتصادي وضعف البنية التحتية الرقمية، ما يُسهم في عزل الباحث العربي عن المستجدات العالمية.

يتسم هذا التداخل بفعالية تفوق الرقابة التقليدية، إذ يعمل على مستويات نفسية (الرقابة الذاتية)، مؤسسية (المراقبة)، اقتصادية (الحصار) وخوارزمية (الإقصاء الناعم) في آن واحد.

الآثار البنيوية وإعادة تعريف الحرية الأكاديمية

تحولت فكرة الحرية الأكاديمية في السياق العربي من «حق أصيل» إلى «امتياز مشروط» يُمنح مقابل الالتزام بالمعايير المحددة. يصبح الأكاديمي «حرًا» في البحث طالما لا يتطرق إلى الموضوعات المحظورة، و«حرًا» في النشر إذا اتبع مؤشرات الخوارزميات، و«حرًا» في التدريس إذا تجنب إثارة الحساسيات السياسية.

وبهذا الصدد، انتقلت وظيفة الجامعة من «ضمير المجتمع» الذي يطرح أسئلة نقدية إلى «جهاز إداري‑تقني» يُعيد إنتاج النظام القائم، حيث يُصبح الباحث «تقنيًا» ينتج أبحاثًا تتوافق مع خوارزميات التقييم بدلًا من أن يكون «مثقفًا عضويًا» يساهم في التغيير الاجتماعي.

تؤدي الهيمنة الخوارزمية إلى «أحادية معرفية» تُهمّش القضايا المحلية واللغة العربية لصالح أجندات بحثية عالمية، ما ينتج عنه جامعات عربية تنتج معرفة «عن الغرب للغرب» بينما تبقى مشاكل المجتمعات العربية خارجة عن الأجندة.

استراتيجيات المقاومة المقترحة

رغم الظلام الظاهر، قدم الأكاديميون المشاركون مجموعة من الاستراتيجيات الخمس لمواجهة هذا الواقع: 1) التوعية الرقمية (96.3% إجماع) عبر ورش عمل حول الحقوق الرقمية، حماية البيانات، التشفير واستخدام الشبكات الخاصة الافتراضية؛ 2) التحصين القانوني (84.4%) بالمطالبة بتشريعات وطنية تحمي الحرية الأكاديمية في الفضاء الرقمي وتجرّم المراقبة غير القانونية؛ 3) السيادة الرقمية (92.2%) بإنشاء بنية تحتية عربية مستقلة تشمل قواعد بيانات ومنصات نشر ومعايير تقييم بديلة؛ 4) التدويل الاستراتيجي بإنشاء شبكات تضامن أكاديمي إقليمي وعالمي لتوفير حماية جماعية للباحثين؛ 5) فك الارتباط بين الترقيات والمؤشرات التجارية عبر تعديل معايير الترقية لتشمل الأثر المجتمعي، النشر باللغة العربية، والمساهمة في حل المشكلات المحلية.

تكشف الدراسة أن الاستبداد الرقمي نجح في تكوين «أكاديمي منضبط رقميًا» يمارس رقابة ذاتية صارمة، يتجنب الموضوعات الحساسة، ويتقيد بالمعايير الخوارزمية. ومع ذلك، يظهر وعي متزايد بالمشكلة (96.3% يطالبون بالتوعية) ورغبة حقيقية في المقاومة.

إن المعركة ليست تقنية فحسب، بل هي معركة سياسية وإبستمولوجية. السؤال الآن هو ما إذا ستستمر الجامعة العربية كجهاز إداري‑تقني يعيد إنتاج الهيمنة، أم ستستعيد دورها كفضاء نقدي يساهم في تحرير المجتمعات. يعتمد الجواب على قدرة الأكاديميين على تحويل الوعي إلى فعل جماعي منظم، وعلى استعداد المؤسسات لإعادة تعريف مفهوم النجاح بعيداً عن منطق السوق والمؤشرات.

الاستبداد الرقمي ليس حتمية لا مفر منها؛ إنه بناء اجتماعي‑تقني يمكن تفكيكه بالوعي والتنظيم والمقاومة. لكن الوقت يداهم؛ فكلما تعمّق بناء هذا النظام، كلما صعب تفكيكه. السؤال الذي يطرح نفسه أمام الأكاديميين العرب ليس «هل نقاوم؟»، بل «متى نبدأ؟»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *