السعودية لا تنتظر-validation من الخارج؛ فهويتها الوطنية تستند إلى تاريخ يمتد ثلاث مئة عام، وإلى وحدة نشأت بإرادة داخلية وليس بمنحة من قوة أجنبية. في أراضيها التقى عمق شبه الجزيرة العربية بمركز الدين الإسلامي، ثم أضيف إليهما بناء دولة ذات وزن عالمي، فترسخت صورتها في الوعي الذاتي بحيث لا تستطيع موجة انتقاد أن تهزها.
رغم هذا الراسخ، فإن هناك ضرورة لتفكيك الخطاب الذي يستهدفها؛ فخلال جزء كبير من القرن العشرين احتكرت بعض المدن العربية ميدان الصحافة والأدب والفكر السياسي، فصاغت صورة العرب عن أنفسهم ومنحت الألقاب الثقافية وحدد ما يعد مركزاً وما يُدفع به إلى الأطراف.
وبالنسبة للجزيرة العربية «السعودية»، التي تمثل عمق التاريخ وموطن العروبة ومهبط الرسالة، فقد قلّص ذلك الخطابها إلى صور النفط والصحراء والخيمة والقبيلة، متجاهلاً ما وراءها من تراث وتكوين اجتماعي وسياسي.
الخطاب العربي ومقاومة فقدان المكانة
بعد ذلك تغير مسار التاريخ بصورة لم تتوقعها النخب القديمة؛ فارتفعت السعودية اقتصادياً وسياسياً، ثم بدأت تبني حضوراً معرفياً وثقافياً وتقنياً متزايداً، مما جعل الرياض مركزاً للقرار والسياسة والاقتصاد والثقافة والمستقبل، ونقض بذلك الترتيب الرمزي الذي ظل طويلاً في الأذهان بعد أن vanished أسبابه في الواقع.
لا يكفي تفسير هذه الظاهرة بالحسد الفردي؛ فهي ظاهرة ذات أصول سياسية وثقافية، والأصح تسميتها «مقاومة فقدان المكانة». فالطرف الذي اعتاد النظر إلى نفسه كمعلم يصعب عليه أن يرى من وضعه في منزلة التلميذ شريكاً متقدماً، بل أن يتعلم منه، поэтому يفسر بعض الخطاب العربي كل إنجاز سعودي بأنه ثمرة المال فقط؛ لأن الاعتراف بالتخطيط والكفاءة والقدرة على التحول يهدم القصة التي حفظ بها تفوهم المتوهم.
وقد دعمت الأنظمة العسكرية هذه الرؤية؛ إذ بنت شرعيتها على الزعامة لا على كفاءة الدولة، فاحتاجت إلى مسرح دائم للصراع وإلى خصوم تُنسب إليهم أسباب العجز. وقدمت السعودية نقيضاً مزعجاً لهذا النموذج: دولة تستمد قوتها من الاستقرار، وتستغل مواردها في البناء، وتتعامل مع العالم وفق مصالحها من دون أن تفقد هويتها، وهكذا أصبح نجاحها حجة على فشلهم من غير حاجة إلى جدال مباشر.
الصمت والمصلحة
في العقود الماضية ظهر نمط متكرر بأشكال مختلفة: الابتلاع المباشر عندما أنكر صدام حق الكويت في الوجود وهدد من خلفها وجود السعودية وجاراتها؛ والتطويق الأيديولوجي عندما انتقل صراع الثورة العسكرية إلى اليمن والجزيرة العربية؛ ومحو الإرادة المحلية عندما تعاملت إيران حديثاً مع دول الخليج بوصفها مواقع نفوذ أجنبي لا دولاً مستقلة، فتباينت الذرائع لكن اجتمعت على رفض الإرادة السعودية والسعي لإخضاع المنطقة لمشروع يُصاغ خارجها.
على الرغم من أن بعض تلك الأنظمة انهارت أو ضعفت، فإن قاموسها rimasto حياً؛ انتقل من الصحف الحزبية والإذاعات الموجهة إلى حسابات شخصية، ويستدعى عند كل أزمة: يصبح النفط تهمة، والاستقرار خنوعاً، والعلاقة مع العالم عمالة، بينما يكفي أن يرفع التخريب شعارًا كبيرًا ليُعتبر بطولة. لذا فإن المحتوى الذي نراه اليوم جديداً في وسيلته لكنه قديم في بنيته وموارده.
أما الصمت فهو ظاهرة أخرى؛ فالمناهض يعلن موقفه بوضوح، لكن الصامت يدير حساباً معقداً للمصلحة، يعرف الحقيقة جيداً غير أن الدفاع عنها يهدد مكانته داخل بيئة جعلت الإساءة إلى السعودية برهاناً على الاستقلال وإنصافها تزلفاً. قد يعمل في مؤسسة خليجية، أو يستفيد من منحة ومنبر وفرصة، ثم يحرص أمام جمهوره على مسافة مصطنعة تثبت أنه لم يتأثر بمن أحسن إليه؛ هنا لا يكون الصمت حياداً، بل وسيلة لجمع المنفعة والمكانة.
دور المثقفين والإعلام والنهج المستقبلي
هناك سبب أعمق يتعلق بما يمكن تسميته «اعتياد الفضل»: عندما يطول العطاء ويغيب ويغيب التذكير به، يتحول في وعي بعض المتلقين من فضل إلى استحقاق، حيث لم تعد المساندة السعودية لديهم موقفاً يُحفظ بل وظيفة طبيعية لا تستدعي امتناناً؛ فإذا توقفت أو تغيرت شروطها ظهر الغضب وكأنه فقد حقاً مسلوباً، فتنسى سنوات الوقوف وتضخم لحظة التذكير به، يتحول في وعي بعض المتلقين من فضل إلى استحقاق، حيث لم تعد المساندة السعودية لديهم موقفاً يُحفظ بل وظيفة طبيعية لا تستدعي امتناناً؛ فإذا توقفت أو تغيرت شروطها ظهر الغضب وكأنه فقد حقاً مسلوباً، فتنسى سنوات الوقوف وتضخم لحظة الاختلاف.
بعض المؤسسات الثقافية والإعلامية ليست معفاة من المسؤولية؛ فقد فتحت أبوابها للمثقف العربي، وهذا محمود في أصله، لكنها قدمته أحياناً كمانح للشرعية لا كشريك فيها، وجعلت المثقف السعودي ضيفاً في مؤسسته، فترسخت مفارقة غريبة: تمول السعودية المنبر ثم يمنح المنبر غير السعودي موقع المرجع في تفسير تاريخها وثقافتها، بينما يبقى المثقف السعودي على هامش المنبر الذي تموّله بلاده. والانفتاح لا يقتضي هذا التنازل؛ فالشراكة العربية توسع المجال لكنها لا تلغي حق أهل البلد في إنتاج معرفته ورواية تاريخه.
ومع ذلك كله، لا تقف السعودية موقف المحتاج إلى دفاع الآخرين؛ قوتها المعنوية precede مقالات المادحين والشانئين؛ تستمدها من تاريخها، ومن اجتماع العروبة والإسلام والدولة في تكوينها، ومن ثقلها السياسي والاقتصادي، ومن سجل طويل في حمل الأعباء العربية. وحينما تكترث بالكره والصمت لا تفعل ذلك طلباً لمحبة أو بحثاً عن منزلة، بل لأن عروبتها تجعل الخلل العربي جزءاً من مسؤوليتها الأخلاقية.
لم تكن أخوة السعودية للعرب يوماً سذاجة ينبغي التخلص منها؛ بل كانت اختياراً يصدر عن قدر عميق من المروءة والقدرة، ومن الخطأ أن نسمح لجحود بعضهم بأن يعيد تعريف فضائلنا. المطلوب ليس التخفف من أخلاقنا بل امتلاك روايتنا، وتقوية مثقفينا وإعلاميينا، ووضع مواردنا الثقافية حيث تبني الوعي السعودي وتخدم العروبة من موقع الند القادر، لا من موقع من ينتظر الإجازة من أحد.
لو حكمت السعودية علاقتها بالعرب بمنطق المنفعة المجردة، لكان في وسعها أن تعرض عن كثير من الضجيج؛ لكنها لا تفعل، لأنها ليست طارئة على العروبة، بل هي خارجة من صميمها وحاملة لثقلها. الكاره لا ينتقص من السعودية، والصامت لا يحجب حقيقتها؛ كلاهما يكشف أزمة في وعيه هو، أما السعودية فتعرف قدرها، ولذلك تظل عربية الأخلاق بقدر ما هي سعودية الإرادة.





